جندي أوكراني يستخدم جهاز كشف المسيرات أثناء عملية إخلاء سكان مدينة كوستيانتينيفكا (رويترز)
الخميس 18 سبتمبر 2025 / 11:35
يسابق الاتحاد الأوروبي الزمن لإنفاق مليارات اليوروهات على إنشاء "جدار للطائرات المسيّرة" باستخدام تكنولوجيا جرى اختبارها في ساحة المعركة الأوكرانية، وذلك بعد التوغلات الروسية الأخيرة في أجواء حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز"، أظهر رد الأسبوع الماضي على التوغلات الجوية الروسية في بولندا ورومانيا أن الناتو يعتمد على تكنولوجيا باهظة الثمن لاعتراض طائرات مسيّرة زهيدة التكلفة نسبياً، وهو ما اعتُبر ثغرة واضحة يمكن لموسكو أن تستغلها أكثر.
جدار المسيرات
ولسد هذه الفجوة، شجّعت بروكسل العواصم الأوروبية على استخدام أموال الاتحاد وصرفها بشكل جماعي لشراء أنظمة أثبتت فاعليتها في أوكرانيا.
وبعد ساعات من قيام مقاتلات الناتو بإسقاط عدد من أصل نحو 19 طائرة مسيّرة دخلت المجال الجوي لبولندا، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن أوروبا "عليها أن تبني جداراً للطائرات المسيّرة" على حدودها الشرقية.

وأكدت أن هذا سيكون "قدرة أوروبية يتم تطويرها بشكل مشترك، ونشرها بشكل مشترك، والحفاظ عليها بشكل مشترك، وقادرة على الاستجابة في الوقت الحقيقي".
وأضافت فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي سيؤسس أيضاً "تحالفاً للطائرات المسيّرة" مع كييف، مدعوماً بتمويل قدره 6 مليارات يورو بهدف "تحويل الابتكار الأوكراني إلى ميزة في ساحة المعركة وإلى تصنيع مشترك على المستوى الصناعي".
وأعلنت بولندا ودول البلطيق وفنلندا وهي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تتشارك حدوداً مع روسيا عن خطط لتعزيز حدودها، غير أن مسؤولين حذروا من أن هذه المقاربة لن تكون فعّالة إلا إذا كانت موحدة ومبنية على تكنولوجيا مشتركة ومتكاملة بالكامل.
تنسيق موحد
وقال أحد مسؤولي الاتحاد الأوروبي للصحيفة إن "الموقف الدفاعي لأوروبا مجزأ للغاية، لكن هذه المنطقة بالذات تتطلب قدراً أكبر بكثير من التنسيق".
وأضاف "لا يمكن أن يقوم كل بلد حدودي بخطوة مختلفة عن الآخر، فروسيا ستقوم ببساطة بتكييف استراتيجيتها وفقاً لنقاط ضعفنا".
ومن المقرر أن تتلقى دول الناتو على الجناح الشرقي ما يقرب من 100 مليار يورو على شكل قروض متعلقة بالدفاع، وذلك من أصل 150 مليار يورو جرى جمعها بالاستناد إلى ميزانية الاتحاد المشتركة.
وقال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية توماس رينييه، يوم الثلاثاء، إن قروض "الإجراءات الأمنية لأوروبا" ستساعد في مبادرة "جدار الطائرات المسيّرة"، "إذا أرادت الدول الأعضاء اعتماد نهج مشترك لحماية الاتحاد الأوروبي".
من جانبها، قالت دانييلا هيلدينبراند، رئيسة قسم الحلول المضادة للطائرات المسيّرة في شركة "هنسولدت" الألمانية للدفاع، إن المنطقة أصبحت "أكثر إبداعاً في الترتيبات التعاقدية لضمان وجود درع واقٍ شامل لأوروبا والناتو".
وأضافت في حديثها لصحيفة "هذا يعني استكشاف كيفية قيام الدول الأعضاء بإرساء أطر متعددة الجنسيات أو مساعدة بعضها البعض على توفير القدرات المطلوبة".

"الحارس الشرقي"
ولسد الفجوة إلى حين اكتمال الحصول على أنظمة الدفاع الجديدة، أطلق الناتو مهمة دفاع جوي تُعرف باسم "الحارس الشرقي" (Eastern Sentry)، وتشمل مقاتلات وسفناً وأنظمة استطلاع منتشرة على طول الجناح الشرقي، من فنلندا حتى بلغاريا.
وقال ماكس إندرز، رئيس تطوير الأعمال في شركة "تيتان" الناشئة في ميونيخ، التي تصنع أنظمة اعتراض للطائرات المسيّرة تُستخدم حالياً على الخطوط الأمامية في أوكرانيا: "لسنا مستعدين بعد".
وأضاف "هناك فئة كاملة من التهديدات التي تجد أوروبا صعوبة في حماية نفسها منها حالياً".
ووصف إندرز الصراع مع روسيا بأنه "حرب تطورية" أو "حرب تكرارية"، حيث يقوم الطرفان على حد سواء بتطوير طائراتهم غير المأهولة ووسائل اعتراضها باستمرار.
ومنذ بداية الهجوم الروسي الشامل عام 2022، ابتكرت أوكرانيا وسائل جديدة في الدفاع الجوي. فبينما تعتمد كييف على شركائها الغربيين للحصول على أنظمة دفاعية لإسقاط الصواريخ، فقد طورت حلولاً منخفضة التكلفة للتعامل مع الطائرات المسيّرة الروسية الهجومية، بحسب الصحيفة.
نظام وطني أوكراني
وبما أن الرادارات التقليدية غير قادرة على رصد الطائرات المسيّرة الصغيرة ومنخفضة الطيران من طراز "شاهد"، طورت شركات التكنولوجيا الأوكرانية نظاماً وطنياً من الحساسات الصوتية القادرة على التعرف إليها من خلال بصمتها الصوتية.
ويتم تزويد مئات الفرق المتنقلة بتلك المعلومات الاستخباراتية، حيث تستخدم مدافع مضادة للطائرات ورشاشات ثقيلة وهي حلول أرخص بكثير من استخدام صواريخ الاعتراض.
وعرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأسبوع الماضي على بولندا تدريباً حول كيفية التصدي للطائرات المسيّرة الروسية، وخاصة الطائرات الإيرانية الصنع من طراز "شاهد".
وقالت وزارة الدفاع البولندية إن "مباحثات متقدمة تجري بين خبراء من كلا البلدين بشأن تعزيز التعاون في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة المضادة لها".
وفي السياق ذاته، قال كاروليس أليكسا، نائب وزير الدفاع الليتواني، لصحيفة "فايننشال تايمز" إن بلاده تستنسخ التجربة الأوكرانية باستخدام فرق قتالية متنقلة لإسقاط الطائرات المسيّرة التي يتم رصدها عبر نظام الكشف الصوتي.
وأضاف "من المكلف جداً استخدام أسلحة باهظة الثمن مثل الطائرات المقاتلة والصواريخ. ولهذا ندفع باتجاه حلول أرخص وأكثر ذكاءً".
يجري تنفيذ نظام صوتي مشابه في لاتفيا، فيما تدرس رومانيا كيفية إدماج التجربة الأوكرانية ضمن خطط إنفاقها الدفاعي.
وقال اللواء ماركو فيتاساري، مدير وحدة الدفاع الوطني في فنلندا: "لقد غيّر مفهوم الحرب بالطائرات المسيّرة طبيعة النزاعات المسلحة الحديثة".
وأضاف "بالتأكيد هناك حاجة لتطوير وسائل جديدة مضادة، وخاصة ضد الأنظمة غير المأهولة، بعض الخيارات موجود بالفعل وتُستخدم حالياً، لكننا بحاجة إلى تكنولوجيات وأساليب جديدة".