الإثنين 22 سبتمبر 2025 / 16:36
فازت الكاتبة السورية مناهل السهوي بجائزة خالد خليفة للرواية عن عملها الأول "أنثى فرس النبي"، وهو تكريم اعتبرته محطة مؤثرة في مسيرتها الأدبية، لاسيما أنه يحمل اسم الروائي الراحل الذي كان صديقاً ومسانداً لها.
في هذا الحوار مع 24، تتحدث السهوي عن تجربة الكتابة، ورمزية عنوان الرواية، وتأثير الأدب الفرنسي على أسلوبها:
كيف استقبلت خبر فوزك بالجائزة، وماذا مثّل لك هذا التكريم؟
عندما سمعت خبر فوزي، بكيت، كان ذلك البكاء الذي تمتزج فيه السعادة بالامتنان والاشتياق، في تلك اللحظة شعرت أن خالد قريب جداً، فاختلطت مشاعر النجاح بألم فقدانه، لا شك أنني سعيدة بهذا الفوز، لقد منحتُ الرواية الكثير من الجهد على الصعيدين العاطفي والعملي، وتقدير أول عمل روائي هو أمر أعتز وأفتخر به، فخورة بالرواية وبنفسي وبإيماني بها، لكن خصوصية هذا الفوز بالنسبة لي تكمن في أن الجائزة تحمل اسم الروائي والصديق خالد خليفة، وهذا ما يجعل مشاعري متداخلة ومضاعفة، خالد كان دائماً داعماً لي ومحباً، ووقف إلى جانبي في لحظات صعبة لقد كان صديقاً حقيقياً، وفقدانه لن يكون يوماً أمراً سهلاً، وأن أفوز بجائزة تحمل اسمه أمرٌ سأبقى ممتنة له للأبد
كم استغرقت كتابة "أنثى فرس النبي"، ولماذا اخترت هذا العنوان تحديداً؟
في الحقيقة، استغرق مني إنجاز هذه الرواية وقتاً طويلاً بسبب انقطاعي عن العمل عليها لفترات متباعدة، خاصة بعد انتقالي من سوريا إلى لبنان وغرقي في الصحافة، بدأت كتابتها عام 2017، وكانت المسودة شبه النهائية جاهزة تقريباً قبل الإعلان عن جائزة خالد بفترة قصيرة وحين أعلن أصدقاء خالد عن الجائزة قلت لنفسي: "لماذا لا أرسلها؟"
أما العنوان، فقد وُلد من حديث عابر استوقفني عن حشرة فرس النبي، كنت أعرفها سابقاً، لكن ما لم أكن أعلمه هو أن الأنثى تأكل رأس الذكر بعد التزاوج لاحتوائه على مواد مغذية تحتاجها لعملية التكاثر ورعاية البيض، تأملت طويلاً هذه الحشرة وهذه اللحظة الغريبة التي تلي التزاوج، استسلام الذكر لمصيره وتغذي الأنثى على دماغه، هذه المعلومة دفعتني للتفكير في فعل "التغذي على الآخر"، على أفكاره ومشاعره، وكيف يمكن لهذه الفكرة أن تتحول إلى رمز في الرواية، من هنا تحولت فكرة الافتراس لدى هذه الحشرة إلى حامل أساسي في الرواية، حامل يكشف جوانب من العلاقات الإنسانية المعقّدة ويضيء بعض أسرارها، كيف يبدو الفرد حين يتحوّل إلى ذكر فرس النبي، حين يصبح عقله غذاءً للآخر، ووجوده وسيلة لبقاء سواه؟

ما الشرارة التي أطلقت فكرة الرواية، وما أبرز محاورها؟
كان هناك دائماً أفكار أظن أنها تصلح لأن تكون مادة لرواية، لكن اللحظة الفاصلة جاءت حين التقيت شاباً في عيادة طبيب نفسي بدمشق، قصته كانت محزنة وعميقة، بعدها قررت أن أبدأ بكتابتها، مذهلٌ كيف يمكن للمرض النفسي أن يغيّر حياة الإنسان بالكامل، كيف يقوّض أحلامه ويضعه في دوامة معقدة يصعب شرحها لمن حوله، إنه تأثير لا يُرى بالعين المجردة، لكنه حاضر بقوة في تفاصيل الحياة اليومية، في القرارات، وحتى في العلاقات، ورغم الأثر المدمر للأمراض النفسية، لا زلنا غالباً نتعامل معها بحيادية، ولا نوليها الاهتمام والرعاية التي تستحقها، أما المحاور الأساسية في الرواية تدور حول الماضي والعلاقة المعقدة مع العائلة، إضافةً إلى علاقة البطلة بجسدها، وأفكارها، وهواجسها التي دفعتها لتغيير اسمها، لكن المحور الأهم هو رحلة استكشاف الذات، أحياناً بطرق قاسية وغير عادلة.
من هي الشخصيات التي شكّلت نسيج العمل، وكيف رسمت حضورها؟
حاولت ألا أجعل الرواية قائمة على بطولة مطلقة، رغم وجود شخصية أساسية هي كارمن، لم أرغب في أن تكون بطلة بالمعنى التقليدي، فحتى هي لا يعنيها مفهوم البطولة؛ كل ما كانت تريده هو أن تعيش وحسب، ومع ذلك، وضعتها مسارات حياتها ـ إلى حد ما ـ في موقع البطلة، ومن يمتلك قصة قوية يصبح، دون أن يلحظ، بطلاً، في حياة كارمن يمر الكثير من الأشخاص: منهم الشاب الذي ذكرته سابقاً وكان سبب البدء بكتابة الرواية، ومنهم حبيبها الأول الذي يترك في حياتها جرح فقدان جديد، إضافة إلى شخصيات أخرى تؤثر فيها وتتأثر بها كشريكتها في السكن والتي تعمل نحاتة.
كيف انعكس تخصّصك في الأدب الفرنسي على كتابتك وتجربتك الإبداعية؟
لا شك أن الأدب الفرنسي كان له تأثير عميق على تجربتي، بفلسفته العميقة وأفكاره المتحررة وطاقته العاطفية الفريدة، أكثر ما يجذبني فيه هو تلك القدرة على استكشاف المساحات الإنسانية المعقدة، حيث يلتقي البعد العاطفي بالبعد الفلسفي، كنت دائماً مأخوذة بالمزج بين الفكر والمشاعر، بين التساؤلات الوجودية العميقة واللمسات الإنسانية اليومية التي تمنح النص حياة وروحاً وهذا ما وجدته بوضوح في روايات ألبير كامو، حيث التوتر بين العبث والمعنى يفتح أفقاً لفهم الإنسان في مواجهة مصيره، وفي نصوص جان بول سارتر، حيث الحرية والاختيار يتحولان إلى أدوات لفحص الذات والمجتمع وغيرهم الكثير، الأدب الفرنسي علمني أن الكتابة ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي مساحة لاستكشاف الذات والآخر، ولطرح أسئلة لا تنتهي عن الحياة والوجود، وللتعبير عن العاطفة والفكر في آن واحد.