مقاتلة أمريكية من طراز إف 35 (أرشيف)
مقاتلة أمريكية من طراز إف 35 (أرشيف)
الأربعاء 5 نوفمبر 2025 / 00:09

قصف فنزويلا لن يحل مشكلة مادورو

مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا، وحشد إدارة ترامب قوات بحرية قرب سواحلها مع تلميحات بشن ضربات جوية، وصاروخية للإطاحة بنظام نيكولاس مادورو، يرى الباحثان مايكل أوهانلون، وكايتلين تالمادج، من معهد بروكينغز، أن التاريخ الحديث يُظهر بوضوح أن القوة الجوية، مهما بلغت دقتها، نادراً ما تحقّق أهدافاً استراتيجية طويلة الأمد بمفردها.

وقال الباحثان، في مقالهما بمجلة  "ناشونال إنترست"، إن سجل التدخلات العسكرية الأمريكية والغربية يكشف عن نجاحات محدودة وخسائر سياسية عميقة كلّما جرى الاعتماد على القصف وحده لإحداث التغيير. وأوضح الكاتبان أن تجربة حرب كوسوفو في 1999 تقدّم مثالاً دالاً، إذ لم يكن هدف حلف ناتو إسقاط نظام سلوبودان ميلوسوفيتش، بل حماية الألبان من ميليشياته. وأضافا "لكن النجاح جاء بعد توسيع العمليات الجوية عشرة أضعاف، واستمرار القصف 77 يوماً بدل أسبوعٍ كما خُطِّط له".

وفي أفغانستان في 2001، كانت القوة الجوية الأمريكية الأداة الأساسية لإسقاط طالبان، إلا أن العامل الحاسم كان وجود عناصر الاستخبارات الأمريكية والقوات الخاصة داخل صفوف تحالف الشمال الأفغاني، وهو ما منح العملية فاعلية ميدانية لا يمكن للقصف وحده تحقيقها.

الصدمة والترويع في العراق 

وتابع الكاتبان أن تجربة العراق في 2003 تُظهر محدودية الضربات الجوية في تغيير الأنظمة، إذ حاولت واشنطن في بدايتها تنفيذ استراتيجية "الصدمة والترويع" لتصفية قيادة صدام حسين بسرعة، لكنها فشلت في "القطع الاستراتيجي للرأس"، وانتهى الأمر بتورط القوات الأمريكية في احتلالٍ استمر قرابة عقدٍ من الزمان. وأشار الكاتبان إلى أن التدخل الجوي في ليبيا في 2011 نجح في دعم المعارضة المسلحة ضد معمر القذافي، وانتهى بمقتله خلال أشهر قليلة، لكن النتيجة كانت "نجاحاً مراً"؛ فبعد 14 عاماً لا تزال البلاد غارقة في الفوضى والانقسام. وقالا: "إذا كان هذا ما يُسمّى نجاحاً، فعلينا أن نتوخى الحذر من تكراره".

القوة الجوية تحتاج شركاء على الأرض

وأوضح الكاتبان أن الحملة الجوية التي قادتها الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش في 2014 نجحت في منع سقوط بغداد، واستعادة الأراضي العراقية والسورية المحتلة، لكنها تطلّبت 7أعوام، و3 إدارات رئاسية، وعشرات آلاف القنابل، إضافةً إلى تحالف واسع من القوات البرية، من البشمركة الكردية، إلى الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، والجيش العراقي الذي أعيد بناؤه.

اغتيال سليماني

وأضاف الكاتبان أن الرئيس ترامب في 2020 أجاز اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، أثناء زيارته بغداد، وهي عملية "مبرّرة أخلاقياً بالنظر إلى الدماء الكثيرة التي كان سبباً في إراقتها"، لكنها لم تُغيّر سلوك إيران ولا أنهت تهديدها، بل عززت قناعتها بضرورة الرد بأساليب غير تقليدية. وقال الكاتبان إن تجربة إسرائيل في غزة ولبنان تبرهن أيضاً على محدودية القصف الجوي، فبعد عامين من القصف المتواصل وعمليات برية مكثفة، لا تزال حركة حماس قائمة. أما في لبنان، فتمكّنت إسرائيل من تصفية معظم قادة حزب الله في عملياتها الأخيرة، لكن التنظيم، حسب الكاتبين، لم يُمحَ بعد، وإن بدا مردوعاً مؤقتاً.

 لا يصنع الثورات ولا الانقلابات

وشدّد الكاتبان على أن "الواقع البسيط هو أن الديكتاتوريين يبرعون في البقاء في السلطة". وأضافا أن قصف أراضيهم لا يُلهم الشعوب للثورة، ولا يدفع النخب العسكرية إلى الانقلاب، بل على العكس، يوحّد الصفوف الداخلية خلف النظام. وأوضحا أن القوة الجوية الحديثة يمكنها تدمير أهدافٍ عسكرية واقتصادية هائلة، لكن ذلك لا يتحقق إلا بعد سنواتٍ من القتال المستمر، وغالباً ما يتطلّب دعماً برياً واسعاً من الحلفاء أو القوات الأمريكية.

وقال الكاتبان إن أي مغامرة عسكرية في فنزويلا دون حلفاء أقوياء على الأرض ستكرر أخطاء العراق، وليبيا، وأفغانستان، مشيرين إلى أن الرئيس ترامب الذي طالما انتقد "حروب أمريكا التي لا تنتهي" في الشرق الأوسط، عليه أن يتجنّب السقوط في فخ حربٍ طويلة جديدة في نصف الكرة الغربي. واختتم الكاتبان مقالهما بقول إن "القصف لا يبدّل الأنظمة، ولا يصنع الديمقراطيات"، داعيين صانعي القرار الأمريكي إلى التعقّل قبل الانزلاق إلى حربٍ جديدة تحت شعار إسقاط مادورو. وأضافا أن الرهان على القنابل وحدها رهان خاسر، لأن السياسة في نهاية المطاف "تُحسم بالإرادة الشعبية لا بالانفجارات"