دنيا ميخائيل "أرشيفية"
دنيا ميخائيل "أرشيفية"
الإثنين 24 نوفمبر 2025 / 18:48

دنيا ميخائيل لـ 24: جائزة البوكر ألقت ضوءاً إضافياً على "تجربة النساء المسروقات"

24 – نضال بشارة

صدر مؤخراً للشاعرة العراقية المغتربة دنيا ميخائيل ديوانها "ألواح: أسرار الطين"، عن دار الرافدين العراقية، جاء بعد عدد من الدواوين الشعرية التي حصلت عليها جوائز عالمية. وهي أيضاً روائية وصلت روايتها "وشم الطائر" إلى القائمة القصيرة لجائزة (البوكر) العربية.

وكتبت صحيفة كريستيان ساينز مونيتر عن ديوانها الجديد: "مزجٌ رائع بين الشعر والرسم بقلم شاعرة هي الأبرز بين شعراء هذا العصر".

وجع الوطن 

أحيت الشاعرة دنيا مؤخراً أمسية ثقافية بدعوة من منتدى الرافدين للثقافة والفنون بالولايات المتحدة الأمريكية، تخللتها فقرات موسيقية تأملية ومداخلة نقدية قدمها الشاعر والناقد العراقي ناصر الحجاج عبر الفيديو، قدّمت الشاعرة  دنيا فيها قصائد من ديوانها الجديد "ألواح: أسرار الطين"، قالت عنها الأستاذة سلاف شاجا: "دنيا ميخائيل، الصوت الشعري الذي حمل وجع الوطن وضياءه إلى العالم، فكانت القصيدة في يدها سفينة نجاةٍ من الغياب.

وكانت الكلمة جسراً بين الضفتين: المنفى والوطن. تكتب بلغةٍ مجازيةٍ رشيقة، تمضي بثقةٍ نحو المعنى، وتنسج من بساطة المفردة شعراً يلمس القلب، ومن عمق الرؤية نوراً يعيد للأشياء معناها الأول". انطلاقاً من مجموعتها الأخيرة وما كتب عنها التقى موقع24  مع الشاعر دنيا ميخائيل في هذا الحوار:

 

طبقات منسية

كتبت الناقدة الأمريكية"آناديلاسوبين" عن مجموعتك الشعرية التي صدرت مؤخراً بعنوان "ألواح:أسرار الطين" أن كتاباتك تعيد اكتشاف الماضي المدفون للعراق من خلال عدسة معاصرة.  إلى أي مدى أصابت، وعن أي ماضٍ تحدثتِ في المجموعة؟ 

كتبت آناديلاسوبين، وهي ناقدة مرموقة، مقالاً مهمّاً في نيويورك ريفيواوف بوكس بعنوان "كتابتها المسمارية الخاصة بها" وما قالته عن "إعادة اكتشاف الماضي المدفون للعراق بعدسة معاصرة" أصاب جوهر المشروع إلى حد كبير. فالماضي الذي أتحدث عنه في "ألواح: أسرار الطين" ليس تاريخاً مدرسياً ولا سرداً كرونولوجياً. إنه ماضٍ مُتشقّق مثل الألواح نفسها: ذاكرة الطين وما يحمله من طبقات منسيّة من حياة الناس ونبض المدن القديمة وأصداء الحروب التي عاشها العراقيون على امتداد آلاف السنين.

أردتُ أن أصغي إلى الأصوات الخارجة من الشقوق، ليس إلى النصوص المستقرّة فوق سطح اللوح فحسب. لذلك يبدو الكتاب كأنه يحفر في الماضي ليضيء الحاضر ويفهمهُ أكثر.

لديك جوائز عديدة عربية وأجنبية، لو تذكّري قارئ الحوار بها، وما الذي منحته لك كل جائزة؟

حصلتُ خلال مسيرتي على عدة جوائز منها جائزة كوكنهايم في الشِعر، كريسكي للآداب والفنون، جائزة الأمم المتحدة لحرية الكتابة، جائزة الأدباء الأمريكيين وجائزة اليونيسكو- الشارقة للثقافة العربية. وما منحته لي الجوائز أساساً هو بعض الوقت الإضافي للكتابة فالجزء المالي منها سمح لي بأن أشتري وقتاً أندر من أي شيء آخر.

هل تعتقدين أن تلك الجوائز حققت لأدبك التسويق الذي يستحقه في الأقطار العربية، أم ثمة مشكلة؟

مشكلة التسويق في العالم العربي ليست مرتبطة بالجوائز. إنها مشكلة نشر وتوزيع ودعم ثقافي. الجوائز تُسلط الضوء على الكِتاب لكنها لا تستطيع القيام بكل العمل. وفي النهاية، تبقى لحظة وصول النص إلى قارئهِ أهم من أي احتفاء.

لحظة اعتراف

هل تعتقدين أن وصول روايتك "وشْم الطائر" للقائمة القصيرة في جائزة البوكر العربية حقق لك حضوراً أكثر من بقية الجوائز والمسابقات التي تخص الشعر، أم أن للمسألة أبعاداً أخرى لديك؟

لم تكن المسألة بالنسبة لي سباقاً بين الجوائز، بل لحظة اعتراف بقصة كانت أكبر منّي ومن الكِتاب نفسه: قصة النساء المسروقات من بيوتهن. فـ البوكر ألقت ضوءاً إضافياً على تلك التجربة، وهذا بالتحديد ما كان يهمني.

لكل أديبة وأديب حوافزه للخوض في كتابة فن آخر غير الذي قدّمه للقارئ كهوية، ما هي حوافزك للانتقال إلى فن الرواية؟

الشِعر هو لغتي الأولى وسيبقى كذلك. لكنه أحياناً يضيق عن حمل  التجربة. عندما بدأتُ أستمع إلى شهادات النساء الناجيات من داعش، شعرتُ أن القصيدة لا تكفي. القصة كانت أكبر من البرق الشعري. الرواية منحتني اتساعاً زمنياً وبنائياً لأروي وأوثّق وأتخيّل وأمنح الشخصيات مساحة لتتكلم. لم أغادر الشعر، بل وسّعتُ بيتي الأدبي ونوافذهُ.

طاقة شعرية

في ضوء استخدامك للأسطورة في روايتك، هل تعتقدين أن الروائيين العرب استثمروا الأساطير بشكل عميق ويليق بها في فن الرواية، أم أن المسألة تتعلق بثقافة الروائي؟

بالنسبة لي، الأسطورة ليست زينة سردية بل مرآة زمنية نرى فيها مالا نستطيع قوله مباشرة. في"وشْم الطائر" منحتني الأسطورة الشعبية طاقة شعرية وطبقات إضافية من المجاز والمعنى. أما استثمار الأسطورة عربياً، فالأمر يتعلّق أولاً وأخيراً بثقافة الروائي ورؤيته: هل يرى في الأسطورة مادة حيّة يمكن إعادة تأويلها، أم يستخدمها كديكور؟ الفرق يصنعه الوعي الفني، لا الأسطورة نفسها.

تكتبين بالعربية والإنجليزية، ما محددات اختيار اللغة؟

أبدأ عادةً بالعربية ثم أترجم العمل إلى الانكليزية بنفسي. والترجمة الذاتية تجعلني أقترب من النص أكثر، حتى أنني أكتشف أحياناً نقاط قوته وضعفه من خلال عملية النقل بين اللغتين.  إنها بالنسبة لي مرحلة ثانية من الكتابة.

صدرت بعض كتبك بلغات أخرى ما هي اللغات التي تمت الترجمة إليها، وكيف تتابعين صدى تلك الترجمات، وما تأثير ذلك في تجربتك؟

أتابع الترجمات عبر القرّاء والمترجمين، والحوارات واللقاءات. أحياناً يُدهشني كيف يرى قارئ بعيد في النص ما لم أرهُ أنا.

فالترجمة ليست نقلاً بل إعادة ولادة. وكل ولادة تمنح النص حياة جديدة. أما كتبي فلي تسعة إصدارات، معظمها شِعر، وقد تُرجمتْ إلى اللغات الانكليزية والإيطالية والبرتغالية والفرنسية والألمانية والهندية والصينية والألبانية والبولندية والروسية والفارسية والتركية، إضافة إلى مختارات بلغات أخرى.

التدريس مختبر مفتوح

قرأت على صفحة الفيسبوك خاصتك أنك أمضيتِ أسبوعين رائعين في المغرب برفقة أساتذة معك في جامعة أوكلاند وتسعة طلاب ضمن برنامج الدراسة في الخارج. ما الذي يمنحه لك عموماً التدريس الجامعي كأديبة تكتب الشعر والرواية؟

التدريس الجامعي يمنحني ما يشبه مختبراً مفتوحاً. أتعلّم من طلابي بقدر ما يتعلّمون مني. حين أشرح قصيدة، أفهمها من زاوية جديدة؛ وحين أرى كيف يكتب جيلٌ شاب قصصهُ، أتذكّر جذور البدايات الأولى. التدريس أيضاً انضباط يومي يذكّرني بأن الكتابة ليست حدثاً عابراً بل ممارسة مستمرة. وهو يضعني دائماً أمام سؤال أخلاقي وجمالي: ما أثر الكلمة في العالم؟

بعد بصري للقصائد

لو تقدمين لنا في ختام هذا الحوار أبرز ما جاء في مداخلة الناقد العراقي ناصر الحجاج عن ديوانك الجديد؟

يقول الناقد الحجاج في إضاءته الهامة على الديوان التي أعتز بها كثيراً: لا يقتصر استلهام دنيا ميخائيل للرموز السومرية المنقوشة على ألواح الطين على مجرد استعادة الأثر التاريخي، بل يتجاوزه إلى إحياء هذه الرموز كأنساق دلالية حية، تعبّر عن صراع الإنسان المعاصر الوجودي والاجتماعي.

فما كان يوماً رموزاً للخصب والماء والنور والآلهة في الفكر السومري، يتحول في نصوصها إلى إشارات نابضة بقضايا الإنسان اليوم: اغتراباً، وانكساراً، وبحثاً عن العدالة، واستعادة للمعنى في عالمٍ أنهكته الضياع.

هكذا ينشأ خطابها الشعري من تفاعل جدلي بين الذاكرة والأسطورة والواقع، ليكون النص فضاءً رحباً لوعي حضاري مزدوج: وعي بالماضي كمنبع للهوية، ووعي بالحاضر كامتداد متأزم لهذه الجذور. فاستدعاء الرموز السومرية لا يهدف إلى إحياء الأسطورة فحسب، بل إلى تحويلها إلى أداة نقدية تستشرف مستقبل الإنسان العراقي في ضوء إرثه الحضاري.

ولم تكتفِ ميخائيل بالكتابة فقط، بل أضافت بعداً بصرياً لقصائدها برسوماتها الشخصية، مما جعل العمل لوحة فنية متكاملة تجمع بين الكلمة والصورة. وقد حظي الديوان باهتمام دولي، توج بتبني اليونسكو أحد نصوصه - "ليكن الحب هو النظام العالمي الجديد" - ملصقاً رسمياً لقيمته الإنسانية العميقة.

في أحد نصوص الديوان، الذي يضم عشرة ألواح يحتوي كل منها على 24 قصيدة قصيرة، تكتب ميخائيل: "الأشجار مثلنا تلجأ إلى جذورها وقت المخاطر". كأنها تقدم حكمة وجودية: في زمن الضياع، تكون النجاة بالعودة إلى الأصول، لا بالارتحال. فالنمو الحقيقي لا يكون إلا بالاتكاء على ما يثبتنا، كما تفعل الأشجار بجذورها.

تكتب ميخائيل مستذكرة حكاية جدها الذي شبه زوجته بالتمرة: "حلوة لكن نواتها قوية". التمرة ليست مجرد ثمرة، بل ذاكرة الضوء حين يسقط على جسد الأرض، في هذه الاستعارة يتجلى توازن الوجود: حلاوة في المظهر، وقوة في الجوهر. وكما التمرة، تكون الحياة: رقة لا تتعارض مع صلابتها.

ولم يكن الجد يبكي عند النخلة الميتة شجرةً فقط، بل كان يبكي انكسار عالمه بفقدان زوجته. فالنخلة كانت مرآة لحبيبته، وظلها في حياته. بموتها، انطفأ آخر ضوء من زمن كان للحنين فيه مذاق التمر. بكى الحياة حين تفقد طعمها، والذاكرة حين تتحول إلى نواة صلبة لا تُكسر.