الخميس 11 ديسمبر 2025 / 19:38
في مقال تحليلي حاد اللهجة نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، ذهب الباحث والمفكر السياسي كاس مودّ، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورجيا، إلى أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب لم تعد مجرد حليف متردد لأوروبا، بل تحوّلت إلى خصم أيديولوجي يهدد أسس الديمقراطية الليبرالية في القارة العجوز.
وتناول الكاتب في مقاله، الذي يعد أحد من أبرز الباحثين في شؤون اليمين المتطرف، في مقاله ملامح استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي صدرت مؤخراً، واصفاً إياها بأنها وثيقة مشبعة بأفكار اليمين المتطرف، وتستهدف إعادة صياغة أوروبا على صورة القوى الشعبوية القومية الصاعدة.
وثيقة الأمن القومي
وقال الكاتب إن الوثيقة تبدأ بادعاء نمطي بأن ترامب أنقذ العالم من كارثة، قبل أن تنتقل إلى طرح رؤية أمريكية للعالم ترتكز على التدخل المباشر في شؤون أوروبا، تحت شعار "تعزيز عظمتها".
وأضاف الكاتب أن اللغة المستخدمة تكاد تكون منقولة حرفياً من خطابات الزعيم المجري فيكتور أوربان، خصوصاً ما يتصل بالحفاظ على أوروبا أوروبية ومواجهة خطر التلاشي الحضاري.
وتابع الكاتب أن الوثيقة تُحمّل الاتحاد الأوروبي وسياسات الهجرة مسؤولية تفكك الهوية الأوروبية وتآكل حرية التعبير والصراعات الاجتماعية وتراجع معدلات الولادة، مؤكدة أن استمرار هذه الاتجاهات سيجعل أوروبا غير قابلة للتمييز بعد عقدين.
ألمانيا تعلق على إستراتيجية ترامب الجديدة: لا نحتاج نصائح من الخارج - موقع 24شدد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم الجمعة على أن بلاده لا تحتاج إلى "نصائح من الخارج" بعدما نشرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية جديدة تنتقد بشدّة حلفاء واشنطن الأوروبيين.
اليمين الأوروبي المتطرف
وأوضح الكاتب أن الاستراتيجية الجديدة تتأسس على ركيزتين مركزيتين في خطاب اليمين المتطرف:
- أولاً: كتاب "أفول الغرب" لأسوالد شبينغلر الذي يستخدمه اليمين منذ عقود لتبرير سردية انهيار الحضارة الغربية.
- ثانياً: نظرية "الاستبدال العظيم" لرينو كامو، التي تحولت إلى نظرية مؤامرة شائعة في أوساط اليمين الأمريكي عبر شخصيات مثل ستيف بانون وتاكر كارلسون.
وقال الكاتب إن الوثيقة تنطلق من هذه السرديات لتبرير تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الأوروبية، بحجة حماية الديمقراطية الحقيقية ودعم الأحزاب الوطنية التي يعتبرها البيت الأبيض اللاعبين القادرين على استعادة عظمة أوروبا.

تحالف معلن مع اليمين القومي
وأضاف الكاتب أن الوثيقة تشجع الأحزاب اليمينية القومية في أوروبا بشكل صريح، معتبرة أنها تملك القدرة على إحياء الروح الأوروبية. وتابع الكاتب أن الاستراتيجية تدعو إلى دعم الأمم السليمة في وسط وشرق أوروبا، في إشارة واضحة إلى دول مثل المجر وإيطاليا، التي تراها الإدارة الأمريكية أدوات لمواجهة تدهور أوروبا الليبرالية.
وأوضح الكاتب أن الوثيقة تبقي على غموضها بشأن الآليات التنفيذية، لكنها تعطي أولوية واضحة لفرض نهج أمريكي مطلق لحرية التعبير، بما يسمح بتوسيع نطاق الخطاب اليميني المتطرف، وعدم التعامل مع روسيا كعدو مباشر، بل السعي إلى إعادة بناء الاستقرار الاستراتيجي معها.
عودة مونرو
وأشار الكاتب إلى أن الوثيقة تستلهم عقيدة مونرو لعام 1823 التي حددت المجال الحيوي للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.
وأضاف الكاتب أن الاستراتيجية الجديدة تُعلن ملحق ترامب لعقيدة مونرو، والذي يمنح واشنطن الحق في حشد دول حول العالم لحماية مصالحها، بما يعني عملياً اعتبار أوروبا مجال نفوذ مفتوح للضغط الأمريكي.
وتابع الكاتب أن هذا النهج ليس جديداً تماماً؛ فقد سبق لنائب الرئيس جي دي فانس أن هاجم النموذج الديمقراطي الأوروبي في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2025. لكن نشر هذه الرؤية في وثيقة رسمية يؤكد أن الإدارة الأمريكية جادة في مشروعها لإعادة صياغة أوروبا.
قادة أوروبيون يبحثون تطورات "اللحظة الحاسمة" مع ترامب - موقع 24أجرى قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا مكالمة هاتفية، أمس الأربعاء، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمناقشة أحدث جهود السلام، التي تبذلها واشنطن لإنهاء الحرب في أوكرانيا، فيما وصفوه بأنه "لحظة حاسمة" في العملية.
أوروبا أمام لحظة الحقيقة
خلص الكاتب إلى أن الولايات المتحدة لم تعد مجرد حليف صعب المراس، بل أصبحت، وفق الوثيقة الجديدة، خصماً أيديولوجياً يعتقد أن أمنه القومي يتحقق عبر إضعاف الديمقراطية الليبرالية في أوروبا.
وأكد الكاتب أن الحجج الواردة في الاستراتيجية، وتماهيها مع خطاب اليمين المتطرف، تدعو الأوروبيين إلى التعامل مع واشنطن بوصفها طرفاً يسعى لتغيير طبيعة الأنظمة الأوروبية، لا مجرد شريك في التحالف الأطلسي.
واختتم الكاتب بالتحذير: "إذا لم تستوعب أوروبا الرسالة الآن، فقد تجد نفسها في مواجهة استراتيجية أمريكية تهدف إلى تقويض نموذجها الديمقراطي بالكامل".