الإثنين 15 ديسمبر 2025 / 00:08

عقود من سوء الحوكمة تخنق إيران.. عندما يصبح الهواء قاتلاً

قال باحثون في مجال البيئة، إن إيران تواجه اليوم واحدة من أخطر أزمات الصحة العامة في تاريخها الحديث، لا بسبب حرب أو كارثة طبيعية أو حتى العقوبات الدولية، بل بسبب الهواء الذي يتنفسه المواطنون يومياً.

وأضاف الباحثون أن قرابة 59  ألف وفاة مبكرة سُجلت خلال عام واحد نتيجة التعرض لتلوث الهواء، أي ما يعادل نحو 170 وفاة يومياً، في رقم يفوق ضحايا كثير من الأمراض المزمنة مجتمعة.

وأوضح الباحثون شيرين غولي، مستشارة في الهندسة البيئية، حاصلة على دكتوراه من جامعة نيفادا؛ ومحمد نايب يزدي، مهندس موارد مائية وباحث في جودة المياه؛ وسعيد قاسم نجاد، مستشار اقتصادي وباحث متخصص في الاقتصاد الإيراني والعقوبات، في تحليل مشترك بموقع مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية، إن خطورة الأزمة لا تكمن فقط في حجمها، بل في كونها نتاجاً مباشراً لعقود من السياسات الفاشلة، وتأجيل التحديث، والإهمال المنهجي للصحة البيئية من قبل الدولة.

طهران نموذجاً.. مدينة تتنفس الخطر

وأشار الباحثون إلى أن العاصمة طهران، التي يقطنها أكثر من 10 ملايين نسمة، سجلت في الأسابيع الأخيرة مؤشرات جودة هواء تجاوزت 200  نقطة، ما يضعها في فئة "غير صحي للجميع".

وأضافوا أن السلطات اضطرت إلى إغلاق المدارس والجامعات، بينما استعدت المستشفيات لموجة من حالات الطوارئ التنفسية، وتعثرت حركة الطيران بسبب الضباب الدخاني الكثيف.

وتابع التحليل أن الأزمة بلغت حداً أجبر مسؤولين رسميين، بينهم نائب الرئيس، على الإقرار بأن مستويات التلوث في طهران أصبحت مهددة للحياة.

مدن إيران تحت سحابة التلوث

وأوضح الباحثون أن المشكلة لم تعد محصورة في طهران، بل تحولت إلى ظاهرة وطنية تمتد من أراك وكرج إلى مشهد، ومن أصفهان إلى تبريز.

وأضافوا أن مدينتي الأهواز وأصفهان تشهدان بشكل متكرر مستويات خطرة من التلوث تؤدي إلى إغلاقات متكررة، فيما تعاني تبريز من تعطل الخدمات البلدية بسبب تدهور جودة الهواء.

وأشار الباحثون إلى أن سوء إدارة الطاقة على المستوى الوطني جعل أي مدينة، مهما كان موقعها، عرضة للاختناق.

سياسات متعمدة صنعت الأزمة

قال الباحثون إن خبراء البيئة حذروا منذ عقود من أن هواء المدن الإيرانية أصبح غير قابل للتنفس، لكن التحذيرات قوبلت بالتجاهل.

وأضافوا أن النظام فضّل عائدات التصدير، والمشاريع الأيديولوجية، والإنفاق العسكري على تحديث شبكة الطاقة والبنية التحتية.

وأوضح التحليل أن قطاع السيارات المحلي يخضع لاحتكارات مرتبطة بالحرس الثوري، حيث يتم منع استيراد السيارات عالية الجودة، وإنتاج مركبات قديمة عالية الانبعاثات تفتقر لأبسط معايير السلامة البيئية. وما تزال ملايين السيارات المتهالكة تجوب الشوارع، فيما يُستخدم وقود منخفض الجودة يحتوي على نسب مرتفعة من الكبريت.

حلول رخيصة بعواقب قاتلة

تابع الباحثون أن فصل الشتاء يشهد تفاقم الأزمة مع لجوء محطات الطاقة إلى حرق المازوت، وهو وقود ثقيل عالي الكبريت، يطلق جسيمات دقيقة مرتبطة بأمراض تنفسية وقلبية خطيرة.

وأضاف التحليل أن المناطق الصناعية تفتقر إلى أنظمة ترشيح حديثة، ما يجعل الانبعاثات تتراكم، خاصة في المدن المحاصرة جغرافياً والمعرّضة لانعكاسات حرارية.

وأشار الباحثون إلى أن العواصف الترابية المتزايدة، الناتجة عن تجفيف البحيرات والأهوار بسبب سياسات مائية مدمّرة، باتت تضاعف من حدة الأزمة.

 تشريعات معطلة وإدارة غائبة

وأوضح التحليل أن قانون الهواء النظيف لعام 2017، الذي كان يفترض أن يشكل إطاراً وطنياً لمكافحة التلوث، لم يُنفذ سوى جزئياً، حيث لم يُطبق سوى أقل من نصف بنوده البالغ عددها 174 بنداً.

وأضاف التحليل أن ضعف التنسيق بين وزارات الصحة والنفط والطاقة والبلديات عطّل أي استجابة فعالة، رغم أن القانون يصنف الوضع الحالي كـحالة طوارئ وطنية.

كلفة اجتماعية واقتصادية فادحة

قال الباحثون إن طهران لم تشهد هذا العام سوى أيام معدودة من الهواء النظيف، وأضافوا أن إغلاق المدارس المتكرر يهدر التعليم، ويقلص الإنتاجية، ويجبر العائلات على حبس الأطفال في المنازل. أما الفئات الأضعف، مثل كبار السن والحوامل ومرضى القلب والرئة، فتواجه مخاطر يومية لمجرد الخروج من المنزل.

وأوضحوا أن الخسائر الاقتصادية السنوية تتجاوز 17 مليار دولار، لكن الخسارة الإنسانية أشد فداحة: عشرات آلاف الوفيات التي يمكن تفاديها، ومئات آلاف المصابين بأمراض مزمنة، وأطفال ينشؤون برئات ضعيفة بشكل دائم.

عندما تفقد السلطة شرعيتها مع كل نَفَس

وأكد الباحثون أن أزمة تلوث الهواء في إيران لا تحدث رغم سياسات الحكومة، بل بسببها، وأضافوا أن عقوداً من الفساد، وسوء الإدارة، ورفض تطبيق المعايير البيئية، أوصلت البلاد إلى حالة حصار بيئي داخلي.

وقال التحليل إن الهواء المسموم لا يقتل فقط بصمت، بل يدفع الناس إلى الهجرة، ويزيد من احتمالات الاضطراب الاجتماعي، ويكشف حقيقة أعمق: دولة تلتهم مقومات بقائها بيديها.  

وختم الباحثون بالقول إن أي نظام يعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة - هواء صالحاً للتنفس - هو نظام فقد كفاءته وشرعيته معاً.