الجمعة 19 ديسمبر 2025 / 22:33

المعركة لم تنتهِ بعد.. أوكرانيا تستعد لعام جديد من الحرب

قال الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي جاكوب هايلبرون إن أوكرانيا، رغم الإرهاق الذي خلّفته سنوات الحرب، لا يبدو أنها تفكر في التراجع أو القبول بتسوية تُفرض عليها تحت ضغط السلاح الروسي أو المساومات الدولية، مضيفاً أن كييف، في هذه المرحلة الدقيقة، تراهن على دعم أوروبي أكثر جرأة، لا سيما عبر تسييل الأصول الروسية المجمدة لتمويل مجهودها الحربي، في وقت لا تُظهر فيه موسكو أي استعداد حقيقي لإنهاء الصراع.

وأوضح هايلبرون، رئيس تحرير مجلة "ناشونال إنترست"، في تحليل بموقع المجلة الأمريكية عقب زيارة ميدانية إلى كييف، أن العاصمة الأوكرانية تعكس مفارقة لافتة: مدينة نابضة بالحياة تشبه نظيراتها الأوروبية، تعيش تحت تهديد دائم من الطائرات المسيّرة والصواريخ، فيما يواصل سكانها حياتهم بإصرار يختصر معنى الصمود.

سلام مؤجل

أشار الكاتب إلى أن تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة لا توحي بأي رغبة في تقديم تنازلات. فخلال اجتماع مع قادته العسكريين، هاجم بوتين القادة الأوروبيين، معتبراً أنهم راهنوا على انهيار روسيا، ومؤكداً أن العمليات العسكرية تسير وفق ما هو مخطط لها، مع التلويح بمكاسب إقليمية إضافية في حال فشل مساعي السلام.

وأضاف هايلبرون أن هذا الخطاب يتناقض مع ما يتداول عن محاولات دبلوماسية جديدة، إذ أفادت تقارير صحافية بأن مفاوضين روساً وأمريكيين يعتزمون عقد جولة محادثات في ميامي، في وقت تكشف فيه تسريبات من داخل الإدارة الأمريكية عن قناعة متزايدة بأن بوتين لا يسعى إلى تسوية جزئية، بل إلى إخضاع أوكرانيا بأكملها.

زيلينسكي يطالب أوروبا وأمريكا بحسم ملفي الأصول الروسية والضمانات - موقع 24قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اليوم الخميس، إن بلده بحاجة إلى قرار أوروبي بشأن استخدام الأصول الروسية المجمّدة قبل نهاية العام، وذلك خلال مؤتمر صحافي في بروكسل على هامش قمّة لقادة الاتحاد الأوروبي في هذا الخصوص.

شكوك أوكرانية وقلق أوروبي

وتابع الكاتب أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تعكس هذا القلق، إذ أقرّ بوجود مقترحات لوقف الحرب عند خطوط التماس الحالية، تشمل أراضي أوكرانية واسعة، بينها شبه جزيرة القرم، لكن موسكو ترفضها. وأضاف روبيو أن هذا الرفض يثير تساؤلات جدية حول نيات بوتين الحقيقية.

وأشار الكاتب إلى أن هذه المواقف تترك صدىً مقلقاً في كييف، حيث ينظر المسؤولون الأوكرانيون بحذر إلى لغة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة، التي بدت، في نظرهم، ملتبسة وغير واضحة الدلالات، في وقت لا تملك فيه أوكرانيا ترف الغموض وهي تواجه تهديداً وجودياً مباشراً.

حرب أطول من الحرب العالمية الثانية؟

وأوضح الكاتب أن طول أمد الحرب بات بحد ذاته دليلاً على محدودية الإنجازات الروسية. فبحلول يناير (كانون الثاني) المقبل، ستكون روسيا قد خاضت حرباً في أوكرانيا أطول من مشاركتها في الحرب العالمية الثانية، التي انتهت خلالها قواتها في برلين خلال أربع سنوات. أما اليوم، وبعد سنوات من القتال، فلم يتمكن بوتين من السيطرة الكاملة حتى على إقليم دونباس.

وأضاف هايلبرون أن هذا الواقع يسلط الضوء على كلفة الحرب بالنسبة لموسكو، ويقوض السردية الروسية حول حتمية الانتصار، مهما طال أمد النزاع.

بوتين يحذّر "اللصوص" من توابع "السطو" على أصول روسيا - موقع 24قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم الجمعة، إن القوات الروسية تتقدم عبر ساحة المعركة في أوكرانيا، معرباً عن ثقته بأن الأهداف العسكرية للكرملين ستتحقق.

الأصول الروسية المجمدة

قال الكاتب إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يركز جهوده حالياً على إقناع القادة الأوروبيين بالمضي قدماً في استخدام الأصول الروسية المجمّدة لدعم أوكرانيا.

وأضاف أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس برز كأحد أبرز الداعمين لهذا التوجه، محذراً من أن فشل الاتحاد الأوروبي في اتخاذ قرار حاسم سيقوض قدرته على الفعل لسنوات طويلة.

وأشار هايلبرون إلى أن ميرتس شبّه طموحات بوتين بتوسع ألمانيا النازية قبيل الحرب العالمية الثانية، في إشارة إلى خطورة التهاون مع سياسات فرض الأمر الواقع بالقوة.

تعب بلا استسلام

وتابع الكاتب أن زيارته إلى كييف أظهرت بوضوح أن الأوكرانيين، رغم التعب والإرهاق، غير مستعدين للانكسار. فقد شدد مسؤولون حكوميون على أن أي اتفاق سلام يجب أن يخضع لاستفتاء شعبي ومصادقة البرلمان، في رفض صريح لأي تسوية تُفرض من الخارج.

وأوضح أن شبح مذكرة بودابست لعام 1994، التي قدمت ضمانات أمنية ثبت لاحقاً هشاشتها، ما زال حاضراً في الوعي الأوكراني، ويغذي رفض العودة إلى وعود غير ملزمة.

الحرية في مواجهة الدعاية

وختم هايلبرون مقاله بإشارة رمزية إلى ما يميز المجتمع الأوكراني عن النموذج الروسي. فقد لخصت مصممة الأزياء الأوكرانية كاترينا فوزيانوفا هذا الفارق بقولها إن الأوكرانيين لا يقبلون العيش تحت منظومة دعاية رسمية مغلقة، في إشارة إلى رفضهم الخضوع لحكم استبدادي يصادر الحقيقة والاختيار.

حرب مستمرة وقرار لم يحسم بعد

خلص الكاتب إلى أن أوكرانيا، في نهاية عام 2025، لا تستعد للسلام بقدر ما تستعد لعام جديد من الحرب.

وبين رهان كييف على أوروبا، وتصلب موسكو، وتردد بعض العواصم الغربية، تبقى الحقيقة الأوضح، وفق هايلبرون، أن أوكرانيا لم تنهِ بعد معركتها للدفاع عن سيادتها، وأن أي سلام لا يراعي هذا الواقع لن يكون سوى هدنة مؤقتة في حرب لم تُغلق فصولها.