الخميس 29 يناير 2026 / 08:45
في لحظات التحول الكبرى، تقاس شرعية الأنظمة السياسية بمدى قدرتها على حماية مواطنيها وضمان كرامتهم، غير أن ما شهدته إيران مطلع عام 2026، يعكس نموذجاً مغايراً تماماً، تتحول فيه الدولة من حارس للعقد الاجتماعي إلى طرف يفرض على شعبه عقداً افتراسياً بالقوة، لا يقوم على الرضا ولا يعترف بالحقوق، بل يستند إلى القمع والعنف المنهجي.
مجزرة في قلب السلطة: ذروة القمع
وقال كريم سجادبور، باحث أول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، في مقاله بموقع مجلة "أتلانتك"، إن المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عاماً، أصدر أوامره بما وصفه بأنه واحدة من أكثر عمليتي قتل جماعي دموية خلال يومين فقط في التاريخ الحديث.
وأضاف الكاتب، نقلاً عن تقديرات مسؤولين رفيعي المستوى في وزارة الصحة الإيرانية، أن عدد القتلى خلال يومي 8 و9 يناير (كانون الثاني) 2026 قد يصل إلى نحو 30 ألف مواطن، في موجة عنف غير مسبوقة.
بعد الاحتجاجات في إيران..بزشكيان: لقد أخفقنا - موقع 24أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء، أن على الحكومة الاعتراف بإخفاقاتها، بدل إلقاء اللوم حصراً على دول أجنبية بعد الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت البلاد، منذ أسابيع.
وأوضح الكاتب الذي يعمل أستاذاً مساعداً في جامعة جورج تاون، أنه في حال تأكدت هذه الأرقام، فإن هذه المجزرة ستُصنف كإحدى أكثر حوادث العنف الذي مارسته الدولة دموية في العصر الحديث، وتمثل الذروة الدامية لعقود من القمع السياسي.
العقد الاجتماعي: من الشرعية إلى الانتهاك
وتابع أن مفهوم الشرعية السياسية، منذ نشوء الدولة الحديثة في القرن السابع عشر، يقوم على عقد اجتماعي يلتزم فيه الحاكم بتوفير الأمن والعيش الكريم مقابل قبول المحكومين بسلطته.
غير أن العلاقة بين الجمهورية الإسلامية وشعبها، حسب الكاتب، لا تشبه عقداً اجتماعياً، بل أقرب إلى "عقد إيجار افتراسي" فُرض عام 1979، وانتهت صلاحيته منذ زمن بعيد، دون أن يُسمح للشعب بمراجعته أو الانسحاب منه.
وأشار الكاتب إلى أن هذا العقد فُرض من طرف واحد، واحتوى على شروط تعسفية لا تقبل النقاش، كان أولها إخضاع الإيرانيين لرؤية آية الله روح الله الخميني، الذي لم ينظر إلى الدولة بوصفها أداة للتنمية الوطنية، بل وسيلة للانتقام الأيديولوجي.
وأضاف أن كتابات الخميني حفلت بتفصيلات فقهية دقيقة حول العقوبات الدينية، لكنها افتقرت كلياً لأي رؤية لإدارة اقتصاد حديث، مستشهداً بعبارته الشهيرة "الاقتصاد شأن الحمير".
4 عقود من الجمود والثراء الخفي
وأوضح أن الإيرانيين خضعوا لحكم خليفة الخميني، علي خامنئي، لأكثر من 4 عقود، دون أن تتغير رؤيته أو تتأثر بتحولات العالم والمجتمع الإيراني.
وأضاف أن خامنئي يروج لنفسه بوصفه زاهداً في متاع الدنيا، في حين يسيطر عبر كيان اقتصادي غامض يُعرف باسم "ستاد" على ثروات قُدرت بنحو 95 مليار دولار عام 2013، وقد تتجاوز اليوم 200 مليار دولار، معظمها صودرت من مواطنين فرّوا من الاضطهاد السياسي والديني.
خامنئي في المخبأ وحزب الله يتوعد.. هل يقترب أخطر سيناريو في الشرق الأوسط؟ - موقع 24قال موقع "واللا" الإسرائيلي، إن الساعات الـ24 الماضية شهدت تصعيداً في التوتر بالشرق الأوسط، على خلفية التهديدات الإيرانية العلنية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مشيراً إلى أن المنطقة تقترب بخطى متسارعة من سيناريو متطرف لمواجهة مباشرة بين الدول، وهجوم أمريكي محتمل ضد النظام الإيراني.
وتابع الكاتب أن العقد الافتراسي منح السلطة حق التدخل في أدق تفاصيل الحياة الشخصية للمواطنين: من الحب والزواج، إلى السينما والموسيقى، وحتى أنماط الشرب والسلوك.
وأوضح أن القوانين المستندة إلى تفسير متشدد للشريعة تسمح برجم النساء بتهمة الزنا، في حين تبيح للرجال تعدد الزوجات، في صورة صارخة للازدواجية القانونية والأخلاقية.
ثروة طبيعية وفقر مصطنع
وأشار الكاتب إلى التناقض الصارخ بين ما تملكه إيران من ثروات طبيعية هائلة، بوصفها ثالث أكبر دولة في احتياطي النفط وثاني أكبر احتياطي للغاز عالمياً، وبين واقع المواطنين الذين يعانون من انقطاعات كهرباء متكررة.
وأشار إلى أن البلاد ترزح تحت واحد من أعلى معدلات التضخم في العالم، فيما فقدت العملة الوطنية أكثر من 99% من قيمتها أمام الدولار منذ قيام الثورة، ما أدى إلى تآكل مدخرات الإيرانيين، وانهيار قدرتهم المعيشية.
عقد بلا شرعية ولا مستقبل
وخلص الكاتب إلى أن الجمهورية الإسلامية لم تعد تحكم عبر عقد اجتماعي، بل عبر منظومة قسرية تستنزف شعبها اقتصادياً، وتكبّله اجتماعياً، وتبطش به أمنياً. ومع تصاعد العنف إلى مستويات غير مسبوقة، يتآكل ما تبقى من شرعية النظام، ويغدو العقد الافتراسي عبئاً تاريخياً لا يمكن أن يستمر دون كلفة وجودية على الدولة نفسها.