وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث
وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث
الأحد 1 مارس 2026 / 16:43

الذكاء الاصطناعي في قبضة البنتاغون.. القصة الكاملة للصراع مع أنثروبيك وصفقة OpenAI

فجّر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أزمة سياسية وتكنولوجية عاصفة هذا الأسبوع، عقب إعلانه المفاجئ إنهاء كافة عقود شركة "أنثروبيك" (Anthropic) مع البنتاغون، في خطوة غير مسبوقة تضمنت إدراج الشركة الناشئة ضمن قائمة "مخاطر سلاسل التوريد"، وهي "وصمة" قانونية كانت تقتصر تاريخياً على الشركات الأجنبية المعادية مثل "هواوي" الصينية و"كاسبرسكي" الروسية.

بداية الأزمة مع ترامب

تأتي هذه المواجهة الدرامية بعد اتهامات مباشرة وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته للشركة بتعريض الأمن القومي للخطر، إثر رفض مديرها التنفيذي، داريو أمودي، الرضوخ لمطالب البنتاغون بفتح تقنيات "كلاود - Claude" للاستخدام العسكري غير المشروط. 

سلاح واشنطن الرقمي.. لماذا يعد "كلاود" أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي؟ - موقع 24أثارت أداة الذكاء الاصطناعي "كلاود" (Claude) ضجة واسعة في الأوساط التكنولوجية والسياسية الدولية، وذلك عقب الكشف عن اعتماد الولايات المتحدة عليها كركيزة تقنية في عمليات عسكرية واستخباراتية بالغة الحساسية، كان أبرزها عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

وتتمحور نقطة الخلاف الجوهرية حول مخاوف "أنثروبيك" من توظيف ذكائها الاصطناعي في عمليات المراقبة الجماعية أو إدارة الطائرات المسيرة الفتاكة ذاتية التحكم بالكامل، وهو ما اعتبره أمودي "خطاً أحمر" لا يمكن تجاوزه أخلاقياً.

من جانبها، لم تكتفِ "أنثروبيك" بالاعتراض اللفظي، بل أعلنت عزمها مقاضاة الحكومة الفيدرالية، مؤكدة أن استخدام قانون "مخاطر التوريد" ضد شركة أمريكية هو إجراء "لا يستند إلى أساس قانوني سليم".

ووفق خبراء، فإن هذا الصدام يضع مستقبل العلاقة بين عمالقة التكنولوجيا والمؤسسة العسكرية على المحك، ويطرح تساؤلات كبرى حول من يملك حق وضع "كوابح" لتقنيات قد تهدد الحياة البشرية.

ترامب يأمر بوقف استخدام "نموذج أنثروبيك" للذكاء الاصطناعي - موقع 24أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة، توجيهاتٍ للوكالات الفيدرالية بالتوقف الفوري عن استخدام تقنية أنثروبيك وسط تصاعد الخلاف بين شركة الذكاء الاصطناعي ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون).

حرب اقتصادية بصبغة أمنية

لم يتوقف التصعيد عند فسخ عقد بقيمة 200 مليون دولار، بل امتد ليشمل حظراً شاملاً يمنع أي متعاقد مع الدفاع من التعامل مع "أنثروبيك".

وفي هذا السياق، أمر الرئيس الأمريكي ترامب كافة الوكالات الحكومية بوقف استخدام أدوات الشركة فوراً، مع منح البنتاغون مهلة ستة أشهر للتخلص من الأنظمة المدمجة حالياً.

ويرى محللون أن هذه العقوبات تمثل "رسالة واضحة" لقطاع الذكاء الاصطناعي بأكمله، فإما الدعم الكامل لمتطلبات "وزارة الحرب" –كما وصفتها الشركة في بيانها– أو الإقصاء من السوق الحكومية تماماً.

أيضاً هذا الضغط يضع ضغوطاً هائلة على القيمة السوقية للشركة التي بلغت 380 مليار دولار، ويهدد إيراداتها السنوية التي يعتمد جزء كبير منها على العقود المؤسسية الضخمة.

المنافسون يدخلون السباق

وفي مشهد يعكس حدة التنافس، سارعت شركة "OpenAI" لسد الفراغ الذي خلفه انسحاب "أنثروبيك"، فبعد ساعات قليلة من العقوبات، أعلن سام ألتمان عن اتفاقية جديدة مع البنتاغون، في خطوة عمقت الانقسام بين الصديقين السابقين (أمودي وألتمان).

والمفارقة هنا تكمن في أن ألتمان أكد التزام شركته بنفس "الخطوط الحمراء" المتعلقة بالسلامة، مما أثار حيرة المراقبين حول سبب قبول البنتاغون بشروط OpenAI ورفضها القاطع لـ "أنثروبيك".

وبينما يرى البعض أن هذه الصفقة هي "انقلاب ناجح" لـ OpenAI، يحذر آخرون من أن انجراف شركات الذكاء الاصطناعي وراء العقود العسكرية قد يؤدي إلى فقدان ثقة المستهلكين الذين يخشون من تغليب الربح على مبادئ السلامة والخصوصية.

حروب بلا دماء بشرية.. "الروبوتات" الوقود الجديد للمعارك - موقع 24تتسارع الخطى التكنولوجية في العاصمة الصينية بكين لترسم ملامح مستقبلية قد تغير وجه الحروب التقليدية إلى الأبد.

هل "أنثروبيك" معادية للغرب؟

دخل إيلون ماسك، حليف إدارة ترامب، على خط الأزمة متهماً "أنثروبيك" عبر منصة إكس بأنها "تكره الحضارة الغربية" بسبب مبادئها التي وصفها بـ "الذكاء الاصطناعي المستيقظ" (Woke AI).

وفي المقابل، اصطف مئات الموظفين من غوغل وOpenAI في رسالة مفتوحة دعماً لموقف أمودي، محذرين من "سياسة الضغط" التي تمارسها الإدارة.

حتى داخل أروقة العسكريين السابقين، أبدى الجنرال المتقاعد جاك شاناهان تعاطفه مع موقف "أنثروبيك"، مؤكداً أن نماذج اللغة الكبيرة الحالية ليست جاهزة بعد للمهام العسكرية فائقة الحساسية أو القتالية، وأن وضع "خطوط حمراء" هو تصرف عقلاني وليس "جنون عظمة" كما روج بعض المسؤولين في البنتاغون.

معركة على هوية التكنولوجيا

تنتهي هذه الجولة بإعلان ترامب الرسمي يوم الجمعة بدء "تطهير" الوكالات الفيدرالية من تقنيات "أنثروبيك"، لتبدأ فصلاً جديداً من النزاع القضائي الذي سيحدد من يملك الكلمة العليا في "وادي السيليكون".

وفي المحصلة، تكشف الأزمة عن سؤال محوري يتجاوز شركة بعينها: من يضع قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب؟ الحكومات أم الشركات؟

وبينما تستعد الأطراف لمعركة قانونية وسياسية طويلة، يبدو أن هذا الصدام قد يرسم ملامح المرحلة القادمة، ليس فقط في علاقة أمريكا بشركات التكنولوجيا، بل في تحديد الخط الفاصل بين الابتكار التقني وأخلاقيات الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي.