مختبر طبي لصناعة الأدوية في الصين (إكس)
السبت 30 مايو 2026 / 14:50
في مشهد يعكس تحولات متسارعة في صناعة الأدوية العالمية، يخطف صعود الصين في مجال تطوير علاجات السرطان الأضواء خلال الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري، المنعقد هذا الأسبوع في مدينة شيكاغو، وسط قلق متزايد داخل الولايات المتحدة من تراجع نفوذها في قطاع التكنولوجيا الحيوية.
ولعقود، اعتادت المؤتمرات الكبرى لعلم الأورام على عرض نتائج تجارب سريرية أُجريت بشكل أساسي في مستشفيات أمريكية وأوروبية، لكن نسخة هذا العام تحمل تحولاً لافتاً؛ إذ تشهد للمرة الأولى على ما يبدو، تقديم واحدة من أبرز الدراسات الرئيسية لتجربة سريرية نُفذت حصراً داخل الصين.
وحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، يعكس هذا التطور النمو السريع لصناعة التكنولوجيا الحيوية الصينية، التي انتقلت خلال سنوات قليلة من قطاع محدود التأثير إلى قوة متسارعة في ابتكار واختبار أدوية متقدمة، خصوصاً في مجال علاج السرطان.
مخاوف من فقدان الهيمنة
ويثير هذا الصعود قلق مسؤولين ومديرين تنفيذيين وأطباء أمريكيين، يرون أن انتقال مركز الابتكار الدوائي نحو الصين قد يحمل مخاطر تتعلق بالأبحاث الطبية والمرضى الأمريكيين، فضلاً عن مستقبل العاملين في قطاع التكنولوجيا الحيوية داخل الولايات المتحدة.
ويحذر منتقدون من فقدان السيطرة الأمريكية على تطوير أدوية جديدة، ومن تراجع الهيمنة التي حافظت عليها واشنطن لعقود في هذا المجال، خصوصاً مع تسارع الشركات الصينية في تسجيل براءات الاختراع، ونشر الأبحاث الطبية، وإطلاق التجارب السريرية.
وقال روبرت كالف، المفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، إن "المخاوف حقيقية وواقعية"، معتبراً أن الولايات المتحدة تواجه تهديداً متزايداً في هذا القطاع الحيوي.
وتتزامن هذه المخاوف مع تصاعد التوترات السياسية بين واشنطن وبكين، إذ سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن وقّع تشريعات تمنع الوكالات الحكومية من التعاقد مع مزودي خدمات تكنولوجيا حيوية أجانب، في دول تُصنف خصوماً للولايات المتحدة.

هل تنجح الأدوية الصينية؟
وإلى جانب المخاوف الجيوسياسية، يبرز سؤال علمي مهم: هل تحقق الأدوية المطوّرة واختُبرت في الصين النتائج نفسها لدى المرضى الأمريكيين؟
وتشير دراسات إلى أن مرضى سرطان الرئة في آسيا، غالباً ما يحققون استجابة أفضل للعلاجات المناعية مقارنة بمجموعات سكانية أخرى، لأسباب لا تزال غير مفهومة بالكامل، ما يثير تساؤلات حول مدى قابلية تعميم نتائج التجارب الصينية على المرضى في الولايات المتحدة.
كما تزيد الفوارق في أنماط العلاج، واستخدام أدوية مختلفة بين الصين والولايات المتحدة من تعقيد الصورة، بحسب خبراء في القطاع.

دواء صيني في الواجهة
ومن أبرز محاور المؤتمر هذا العام، دواء تجريبي لعلاج سرطان الرئة يُعرف باسم "إيفونيسكيماب" (Ivonescimab)، وهو علاج طورته شركة التكنولوجيا الحيوية الصينية "أكيسو بيوفارما"، قبل أن تحصل شركة "سميت ثيرابيوتكس" الأمريكية على حقوق تطويره وتسويقه خارج الصين.
ويعتمد الدواء على آلية مزدوجة تستهدف الورم، عبر تنشيط الجهاز المناعي ومنع تغذيته الدموية في الوقت نفسه.
وشملت الدراسة، التي أُجريت على أكثر من 500 مريض بسرطان الرئة المتقدم في الصين، مقارنة نتائج المرضى الذين تلقوا العلاج الجديد مع آخرين حصلوا على علاج مناعي مختلف، بالتزامن مع العلاج الكيميائي.

ورغم النتائج الواعدة، لا يزال الجدل قائماً حول مدى قدرة الدواء على تحقيق النتائج ذاتها لدى المرضى الأمريكيين، خاصة أن الدراسة الصينية لم تقارن أداءه مباشرة بالعلاج الأكثر استخداماً في الولايات المتحدة.
وفي المقابل، يرى مدافعون عن الانفتاح على الابتكارات الصينية أن الحد من المنافسة قد يحرم المرضى الأمريكيين من علاجات جديدة، مؤكدين أن المعيار النهائي يجب أن يبقى جودة البيانات والنتائج السريرية، بغض النظر عن مصدرها.
وبينما تتسارع المنافسة بين أكبر اقتصادين في العالم، يبدو أن معركة النفوذ المقبلة قد لا تُحسم بالصواريخ أو التجارة فقط، بل داخل المختبرات الطبية أيضاً.