السبت 6 يونيو 2026 / 21:28
في ظل تقلبات اقتصادية عالمية متسارعة، من أزمات مالية وجائحة عالمية إلى تشدد في السياسات النقدية وارتفاع كلفة التمويل، تبرز التجربة الإماراتية في القطاع العقاري بوصفها نموذجاً يقوم على "إدارة الأزمة عبر إعادة تصميم السوق" لا الاكتفاء بامتصاص الصدمات.
وبينما شهدت أسواق عقارية عالمية دورات حادة من التراجع، استطاعت الإمارات الحفاظ على جاذبية قطاعها العقاري، وتحويل الأزمات إلى لحظات لإعادة ضبط قواعد اللعبة وتعزيز الثقة الاستثمارية.
ويرى خبراء في القطاع العقاري والاستثماري أن الدولة نجحت خلال السنوات الماضية في بناء منظومة مرنة جمعت بين سرعة التدخل الحكومي، والتطوير التشريعي، وتحفيز الاستثمار، بما عزز استدامة السوق ورفع مستويات الثقة لدى المستثمرين المحليين والدوليين.
طفرة عقارية
وفي هذا السياق، قالت المهندسة فاطمة مامكالو، مستشارة عقارية في قطاع الأراضي، إن الإمارات تعاملت مع الأزمات الاقتصادية بمنهجية مختلفة تقوم على "إعادة تشكيل قواعد اللعبة" بدلاً من انتظار تعافي الأسواق بصورة تلقائية، مشيرة إلى أن التجربة برزت بوضوح بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم خلال جائحة "كوفيد-19".
وأوضحت أن التوقعات خلال الجائحة كانت تشير إلى احتمال تعرض السوق العقاري لتراجع حاد، إلا أن الإمارات نجحت في تحقيق طفرة عقارية خلال عامي 2021 و2022، مع تسجيل مستويات سعرية قياسية في بعض المناطق، مدفوعة بحزمة من المبادرات التي استهدفت تعزيز الطلب وتنشيط الاستثمار.
وأضافت أن من أبرز هذه المبادرات إطلاق التأشيرة العقارية الذهبية، التي منحت المستثمرين العقاريين إقامة طويلة الأمد، ما ساهم في تحويل شريحة من المستثمرين إلى مقيمين دائمين، إلى جانب دعم صناديق الاستثمار العقاري وتعزيز أدوات التمويل المرن في عدد من المشاريع الكبرى، الأمر الذي وسّع قاعدة المشترين.
ضمانات وحوافز
كما أشارت فاطمة مامكالو إلى أن الإمارات واصلت إطلاق مشاريع كبرى خلال فترات الأزمات، مع توفير ضمانات وحوافز عززت ثقة المستثمرين والمطورين، بالتوازي مع إجراءات تنظيمية هدفت إلى الحد من المضاربات وحماية المشترين، من خلال تفعيل أدوات رقابية وتنظيمية أكثر صرامة.
وأكدت أن الدولة لم تركز فقط على إنعاش القطاع العقاري، بل عملت أيضاً على تطوير البيئة الاستثمارية بشكل شامل، عبر السماح بالملكية الأجنبية الكاملة في عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية، وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات، إلى جانب توفير برامج دعم وتمويل للشركات المتأثرة بالأزمات.
ولفتت إلى أن هذه السياسات انعكست على مؤشرات السوق، مع ارتفاع حجم التداولات العقارية وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، فضلاً عن تعزيز ثقة المستثمرين الإقليميين والدوليين بالسوق الإماراتي.
احتواء التقلبات
من جانبه، قال الدكتور المستشار أحمد الزيات، المدير والمؤسس التنفيذي لشركة AZ Capital العقارية، إن القطاع العقاري الإماراتي واجه خلال العقدين الماضيين تحديات كبيرة، إلا أن الدولة نجحت في بناء منظومة تنظيمية وتشريعية أكثر استقراراً وقدرة على احتواء التقلبات.
وأوضح أن مرحلة ما بعد الأزمة المالية العالمية 2008 شهدت إصلاحات تنظيمية جوهرية، من أبرزها تعزيز نظام حسابات الضمان العقاري، بما وفر حماية أكبر لأموال المستثمرين، وضمان توجيهها إلى تنفيذ المشاريع، إضافة إلى توسيع صلاحيات الجهات التنظيمية مثل دائرة الأراضي والأملاك في دبي ومؤسسة التنظيم العقاري "ريرا".
وأضاف أن الجهات المعنية شددت كذلك ضوابط التمويل العقاري، ورفعت نسب الدفعات المقدمة، ما ساهم في الحد من المضاربات وتقليل مخاطر الفقاعات السعرية، الأمر الذي أسهم في بناء سوق أكثر توازناً واستقراراً.
تحفيز الطلب
وأشار الزيات إلى أن جائحة "كوفيد-19" شكلت اختباراً جديداً لمرونة الاقتصاد الإماراتي، إلا أن سرعة إدارة الأزمة الصحية، وتسريع حملات التطعيم، وإعادة فتح الأنشطة الاقتصادية والسياحية، أسهمت في استعادة الثقة بالسوق خلال فترة قصيرة.
وبيّن أن برامج الإقامة طويلة الأمد، مثل الإقامة الذهبية والإقامة الخضراء وتأشيرات العمل الحر، لعبت دوراً مهماً في جذب المستثمرين وتحفيز الطلب العقاري، بالتزامن مع تسريع التحول الرقمي للخدمات العقارية، بما حافظ على استمرارية النشاط رغم القيود الصحية التي شهدها العالم آنذاك.
وأكد أن المبادرات الاقتصادية طويلة الأمد، وفي مقدمتها خطة دبي الاقتصادية D33، إضافة إلى استمرار الاستثمار في مشاريع البنية التحتية وتنويع الاقتصاد، عززت من استدامة الطلب على العقارات السكنية والتجارية واللوجستية.
وأشار إلى أن هذه السياسات انعكست بشكل مباشر على أداء السوق، مع تسجيل تعافٍ تدريجي بعد أزمة 2008، ثم دخول السوق واحدة من أقوى دورات النمو العقاري عالمياً بعد الجائحة، وصولاً إلى تسجيل مستويات تاريخية في قيمة التصرفات العقارية في دبي خلال السنوات الأخيرة.