صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
الخميس 18 يونيو 2026 / 14:52

هندسة الريادة.. كيف حجزت الإمارات مكانها بين أكثر الاقتصادات تنافسية في العالم؟

استطاعت الإمارات، بقيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، ومتابعة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن تقفز إلى صدارة الأداء الاقتصادي العالمي في تقرير التنافسية العالمية الصادر عن مركز التنافسية العالمي لعام 2026، محتلةً المركز الأول عالمياً في هذا المحور الاستراتيجي، وحافظت على صدارتها الإقليمية وعلى المركز الخامس عالمياً في التنافسية الشاملة للعام العاشر على التوالي.

يمثل هذا الإنجاز التاريخي محطة تنموية فارقة تتجاوز مجرد الصعود في التصنيفات الدولية، لتشكل اعترافاً دولياً بمرونة النموذج الاقتصادي الإماراتي ومؤسسيته، وقدرته الفريدة على تحويل التحديات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة إلى فرص مستدامة للتطوير وجذب الاستثمارات.

إن بلوغ دولة الإمارات المركز الأول في الأداء الاقتصادي العالمي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاج خطط استراتيجية طويلة المدى ركزت على تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي وبناء أسس متينة لاقتصاد ما بعد النفط. وتتجلى هذه الفلسفة الاقتصادية في النمو القوي والنوعي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للدولة، الذي سجل قفزة استثنائية بلغت نسبتها 6.2% لتصل قيمته الإجمالية إلى نحو 1.9 تريليون درهم، مدفوعاً بشكل رئيس بالديناميكية العالية التي أظهرها القطاع غير النفطي، الذي نمت أنشطته بمعدل 6.8% لتسهم بأكثر من 75% من الحجم الكلي للاقتصاد الوطني.

ويعكس هذا الأداء الاستثنائي نجاح السياسات المالية والنقدية للدولة في تحفيز القطاعات الحيوية، مثل التجارة الخارجية، والصناعات التحويلية، والخدمات المالية، والسياحة، والقطاع العقاري، مما جعل الاقتصاد الوطني أقل تأثراً بتقلبات أسواق الطاقة العالمية، وأكثر قدرة على جذب الرساميل الأجنبية.

عوامل الصدارة الاقتصادية

ومن زاوية تحليلية، يتضح أن المحرك الأساسي وراء هذا التميز يكمن في كفاءة البيئة التشريعية والمؤسسية للدولة، وقدرة سياساتها الحكومية على التكيف السريع والمستمر مع المتغيرات المتسارعة في المشهد العالمي. فتصدّر الإمارات المرتبة الأولى عالمياً في غياب البيروقراطية الإدارية يُعد شهادة حية على نجاح استراتيجيات التحول الرقمي الشامل وتصفير البيروقراطية، التي أسهمت في تقليص التكاليف الزمنية والمالية لتأسيس الأعمال وممارستها.

وترافق ذلك مع مرونة حكومية منقطعة النظير في تحديث القوانين المنظمة للاستثمار والملكية الفكرية، وتسهيل الإجراءات الجمركية، فضلاً عن منظومة مرنة وذكية لإصدار التأشيرات الجاذبة للمستثمرين وأصحاب المواهب، الأمر الذي عزز مستويات اليقين والاستقرار التي يبحث عنها المستثمر العالمي في بيئة جيوستراتيجية معقدة.

ولم تقتصر عوامل الصدارة الاقتصادية على جودة الإدارة الحكومية والتشريعية، بل امتدت لتشمل التميز المطلق في كفاءة أسواق العمل والتوظيف. فقد حققت الدولة مراكز متقدمة عالمياً في مؤشرات معدلات التوظيف، وغياب النزاعات العمالية، والمشاركة المرتفعة للقوى العاملة في التنمية، جنباً إلى جنب مع انخفاض تكلفة تعويضات نهاية الخدمة في القطاع الخاص، مما خلق توازناً مثالياً يحمي حقوق القوى البشرية، ويوفر في الوقت ذاته بيئة تنافسية ومحفزة للشركات العالمية لإقامة مراكزها الإقليمية والدولية في مدن الدولة.

محمد بن راشد: الإمارات تحتل المركز الأول في الأداء الاقتصادي العالمي - موقع 24قال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، إن دولة الإمارات بقيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، واصلت تعزيز موقعها بين أكثر اقتصادات العالم تنافسية، مؤكداً أن الدولة حلّت في المركز الأول في الأداء الاقتصادي العالمي، وحافظت على صدارتها إقليمياً للعام ...

جذب العقول والخبرات

إن هذه البيئة العمالية المستقرة، المستندة إلى ثقافة وطنية منفتحة وقيم مؤسسية راسخة، مكّنت الإمارات من أن تصبح من بين الدول الأكثر جذباً للعقول والخبرات العالمية واحتفاظاً بها في شتى المجالات العلمية والتقنية.

وفي سياق متصل، تبرز البنية التحتية والجاهزية الرقمية المستقبلية كركائز جوهرية عززت التنافسية الاقتصادية للإمارات وجعلتها في طليعة اقتصادات المستقبل. وتجسّد هذا التميز في احتلال الدولة المركز الأول عالمياً في جودة النقل الجوي، مما يرسخ دورها حلقةَ وصل ومحوراً لوجستياً رئيساً للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية. يضاف إلى ذلك الاستثمارات الكبيرة والمستمرة في البنية التحتية للطاقة النظيفة والمتجددة، وشبكات الاتصالات المتقدمة، وتبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

إن التقدم الإماراتي الملحوظ في مؤشرات ثقة المواطنين والشركات بالذكاء الاصطناعي، وفي الاستثمار الحكومي والخاص في التكنولوجيات الناشئة، أعاد صياغة المفهوم التقليدي للتنافسية القائم على التعداد السكاني أو المساحة الجغرافية، ليصبح قائماً على القدرة الاستباقية على توسيع نطاق الإنتاجية والابتكار عبر الحلول الرقمية الذكية.

ولا يمكن إغفال أهمية الانفتاح التجاري والدبلوماسية الاقتصادية النشطة التي تنتهجها الدولة، بوصفها عنصراً حاسماً في دفع عجلة الأداء الاقتصادي إلى القمة. فقد نجحت الإمارات في بناء شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية الشاملة مع العديد من الأسواق الناشئة والقوى الاقتصادية الصاعدة حول العالم، مما أدى إلى تحقيق طفرات قياسية في حجم التجارة الخارجية غير النفطية، وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر والوارد.

من العملات الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي.. الإمارات تكشف استراتيجية مالية جديدة حتى 2029 - موقع 24أطلق الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الأول لحاكم دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير المالية، الخطة الاستراتيجية لوزارة المالية 2027 – 2029، والتي تمثل نهجاً حكومياً جديداً بمنظور مستقبلي لرفع كفاءة العمل المالي الحكومي، وتطوير أدواته وسياساته بما يواكب تطلعات دولة الإمارات للمرحلة ...

تنويع الأسواق وبناء روابط متينة

هذا النهج القائم على تنويع الأسواق وبناء الروابط المتينة رسّخ الثقة الدولية في الاستقرار المالي للدولة، وهو ما تجلى بوضوح في الحفاظ على تصنيفات ائتمانية سيادية قوية جداً من كبرى وكالات التصنيف العالمية، والفوز بحقوق استضافة أضخم المحافل المالية والاقتصادية الدولية، مثل الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعام 2029.

إن تبوّؤ دولة الإمارات المركز الأول عالمياً في الأداء الاقتصادي يمثل نموذجاً تنموياً متكاملاً تتشابك فيه الرؤية السياسية الاستشرافية مع الكفاءة المؤسسية والابتكار التشريعي. كما أن الاستدامة التي تظهرها الدولة في صدارة مؤشرات التنافسية الإقليمية والعالمية تثبت أن التنافسية في الفكر الإماراتي ليست مجرد غاية مرحلية أو أرقام تسعى لملاحقتها، بل هي معيار يومي وثقافة عمل مستدامة تستهدف بالدرجة الأولى الارتقاء بجودة حياة المجتمع، وترسيخ مكانة الدولة شريكاً اقتصادياً عالمياً موثوقاً وقوةً مؤثرة في صياغة مستقبل الازدهار والريادة الدولية.