صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
الخميس 25 يونيو 2026 / 16:01
يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة يُعيد التضخم رسم ملامحه، إذ يتحول من مجرد رقم في تقارير البنوك المركزية إلى "محرك صامت" يفرض ترتيباً جديداً لأولويات الاقتصاد العالمي.
وفي ظل تقلبات أسعار الفائدة وتأرجح سلاسل الإمداد، تصبح القدرة على قراءة مؤشرات الأسعار في الولايات المتحدة ضرورة تحدد اتجاهات الأسواق العالمية.
2026 يقلب التوقعات
يستهل 2026 فصوله بواقع اقتصادي مغاير تماماً للتوقعات؛ فبينما الأسواق تترقب تراجع التضخم وتنتظر خفض أسعار الفائدة، يتسارع التضخم الأمريكي مجدداً ليسجل 4.2% في مايو (أيار) الماضي، مدفوعاً بضغوط حادة في قطاع الطاقة الذي يستحوذ وحده على 60% من الارتفاع الشهري.
وتتوسع الضغوط لتشمل الغذاء والسكن، ما يدفع تقديرات الاحتياطي الفيدرالي لتجاوز هدف الـ 2%، ويضع البنك المركزي أمام استحقاقات نقدية صعبة.
كما يدفع التحول الأسواق من حالة "انتظار الخفض" إلى "تسعير زيادات محتملة للفائدة"، ما يمنح الدولار قوة تاريخية، ويضع ضغوطاً متزايدة على الذهب والبيتكوين والعملات الرئيسية.

5 سنوات من التضخم
تكشف بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي والاحتياطي الفيدرالي تحولاً جذرياً في مسار التضخم والسياسة النقدية خلال السنوات الخمس الماضية. بعد أن بدأ الاقتصاد الأمريكي رحلة التعافي من تداعيات جائحة كورونا، واجه موجة تضخمية صاعدة دفعت الفيدرالي إلى دورة تشديد عنيفة بلغت ذروتها عند 5.25%–5.50% في يوليو (تموز) 2023.
ومع تراجع التضخم إلى 2.5%، بدأ الفيدرالي مسار التيسير في سبتمبر (أيلول) 2024. واليوم في يونيو (حزيران) 2026، يبدو المشهد أكثر تعقيداً؛ إذ تستقر الفائدة عند 3.50%–3.75%، بينما عاود التضخم العام الارتفاع لتسجيل 4.2%، في حين وصل التضخم الأساسي 2.9%.

وتعود الموجة الأخيرة بشكل رئيسي إلى قطاع الطاقة الذي صعد مؤشره 23.5%، متجاوزاً الضغوط في قطاعات الغذاء (3.1%) والسكن (3.4%)، ما يعني أن التضخم لا يزال أوسع من أن يُوصف بأنه مجرد صدمة نفطية مؤقتة.
وتتوقع تقديرات الاحتياطي الفيدرالي أن يبلغ تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي 3.6% خلال 2026، وأن يصل التضخم الأساسي وفق المقياس نفسه إلى 3.3%، وكلاهما أعلى بكثير من هدف البنك البالغ 2%.

أثر التضخم على حركة الأسواق
يهيمن الدولار الأمريكي على المشهد المالي العالمي، إذ يصعد مؤشره إلى 101.6 نقطة مسجلاً أعلى مستوى في 13 شهراً، مستفيداً من اتساع فارق العائد مع السندات الدولية وقوة الاقتصاد الأمريكي.
ويضع الصعود ضغوطاً متزايدة على العملات الرئيسية، إذ يتراجع اليورو والجنيه الإسترليني، بينما يقترب الين الياباني من مستويات تاريخية عند 161.68 ين للدولار، وسط مخاوف من استمرار النزيف ما لم تتدخل البنوك المركزية بقرارات حاسمة.
وتشير أحدث توقعات "جي بي مورغان" إلى تراجع اليورو 1.14 دولار بعد أن سجل 1.18 دولار في وقت سابق بداية العام، والجنيه الإسترليني إلى 1.28 دولار، ما يعني استمرار الضغط على العملتين إذا بقيت الفائدة الأمريكية مرتفعة.
لماذا فقدت بيتكوين 1.2 تريليون دولار في 8 أشهر؟ - موقع 24منذ أن وصل البيتكوين إلى أعلى مستوى قياسي عند 126 ألف دولار في خريف العام الماضي، تراجع إلى مستويات تفوق قليلاً 60 ألف دولار، في ظل موجات بيع واسعة أدت إلى محو أكثر من 1.2 تريليون دولار من القيمة السوقية خلال 8 أشهر، وألغت المكاسب التي سجلتها العملة خلال الفترة الأولى من ولاية الرئيس دونالد ترامب ...
وفي ظل قوة الدولار، يتراجع الذهب من ذروته التاريخية في يناير (كانون الثاني) الماضي عند 5594 دولاراً للأونصة، ليهبط دون مستوى 4000 دولار، متأثراً بتغير بوصلة الفائدة. ورغم خفض المؤسسات المالية لتوقعاتها السعرية، لا يزال المعدن الأصفر يجد دعماً فنياً قرب 3900 دولار، ما يوحي بدخوله في مرحلة تجميع طويلة بدلاً من الانهيار الشامل.
وبالمثل، تعاني البيتكوين تحت ضغط تقلص السيولة وارتفاع الفائدة الحقيقية وانتقال جزء من رؤوس الأموال نحو أسهم الذكاء الاصطناعي والطروحات التكنولوجية الكبرى، لتفقد أكثر من 30% من قيمتها منذ بداية العام متراجعة 61256 دولاراً، وسط ترقب المستثمرين لمستويات الدعم الفني عند 60 ألف دولار كمنطقة فاصلة لمسارها المستقبلي.

إعادة رسم الاقتصاد العالمي
وتتجاوز آثار التضخم حدود الولايات المتحدة؛ إذ تُجبر قوة الدولار وارتفاع الفائدة الاقتصادات الناشئة على مواجهة فواتير استيراد أغلى وتكاليف ديون أثقل، بينما تضع البنوك المركزية أمام معضلة الموازنة بين حماية العملة ودعم النمو.
وتتلخص المسارات المستقبلية في 3 سيناريوهات:
1. تشدد: استمرار التضخم قرب 4%، يدفع الفيدرالي لرفع الفائدة مرتين أو ثلاث، ما يُبقي مؤشر الدولار فوق 101-103 نقاط، ويضغط على الذهب لاختبار مستويات دون 3900 دولار، والبيتكوين نحو 50 ألف دولار.
2. تهدئة: استقرار أسعار النفط عند 70 دولاراً، يدفع الفيدرالي للتوقف عن رفع الفائدة، ما يسمح للذهب باستعادة نطاق 4300 -4900 دولار، ويمنح البيتكوين فرصة لتجاوز حاجز 79 ألف دولار.
3. توازن: تراجع صدمة الطاقة تدريجياً مع بقاء التضخم فوق هدف 2%، يؤدي إلى تذبذب الذهب بين 3900 و4600 دولار، والبيتكوين بين 50 و79 ألف دولار.
وفي المحصلة، يعيش العالم "مرحلة إعادة تسعير شاملة" للمال والأصول في ظل بيئة تضخمية مستمرة، ومع بقاء التضخم الأمريكي محركاً لتدفقات رؤوس الأموال، يظل الدولار الملاذ الأقوى، بينما تُختبر صلابة الأصول التي تعتمد على السيولة والمضاربة. وبذلك، تصبح بيانات التضخم وقرارات الفيدرالي البوصلة الوحيدة التي تحدد مسارات الاقتصاد العالمي.