الخميس 25 يونيو 2026 / 18:32

المكاتب العائلية.. كيف أصبحت الإمارات وجهة عالمية للثروات الخاصة؟

نجحت الإمارات خلال سنوات قليلة في التحول من محطة لاستقبال رؤوس الأموال العائلية إلى "توربين" مالي يدير تدفقات الثروات لتصبح واحدة من أبرز الوجهات العالمية لـ"المكاتب العائلية"، والخزنة التي تختارها العائلات الثرية عالمياً لإدارة واستثمار ثرواتها فيها.

"المكاتب العائلية" كيانات مختصة تُنشئها العائلات الثرية لإدارة ثرواتها واستثماراتها باحترافية، وتتولى الإشراف على الأصول المالية، العقارية، الاستثمارات المباشرة، التخطيط المالي طويل الأمد ونقل الثروة بين الأجيال.

الناتج المحلي

الأرقام تعكس حجم التحول، إذ يسهم قطاع الشركات العائلية بـ60% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارات، ويوفر 80% من فرص العمل، ويشكل 90% من إجمالي الشركات الخاصة في الدولة، مما يجعله محوراً مهماً في دعم تحقيق رؤية "نحن الإمارات 2031" الرامية لمضاعفة الناتج المحلي إلى 3 تريليونات درهم، حسبما أعلنته وزارة الاقتصاد والسياحة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

المكاتب العائلية في الإمارات نفذت صفقات استثمارية بـ11 مليار درهم (3 مليارات دولار)  خلال النصف الأول من 2025، لتحتل الدولة المرتبة الثالثة عالمياً بعد أمريكا وبريطانيا، في هذا النوع من الاستثمارات، وفق تصنيف "بي دبليو سي" للمكاتب العائلية.

وتدير 120 من أغنى العائلات التي تتخذ من مركز دبي المالي العالمي مقراً لها، أصولاً تتجاوز قيمتها 1.2 تريليون دولار حول العالم، فيما تضم منظومة المركز أكثر من 1250 كياناً مرتبطاً بإدارة الثروات والمكاتب العائلية، مدعومة بـ600 شريك من البنوك الخاصة، شركات إدارة الأصول، والاستشارات القانونية والمالية، بحسب بيانات مركز دبي المالي العالمي.

بموازاة ذلك، هيمنت الشركات الإماراتية على قائمة أقوى 100 شركة عائلية عربية 2026 الصادرة عن "مجلة فوربس الشرق الأوسط" الأسبوع الماضي، بعدما سجّلت 31 شركة حضوراً في التصنيف، لتستحوذ على ما يقرب ثلث القائمة.

عوائد اقتصادية

الشركات العائلية ليست مجرد كيانات تجارية تقليدية، بل شريحة استراتيجية من الاقتصاد الإماراتي، بحسب خبير الاقتصاد الدكتور جمال السعيدي، الذي يؤكد لـ24 أنها "تجمع بين رأس المال المحلي والخبرة المتراكمة عبر أجيال، ووجود عائلات ثرية تدير أصولاً عالمية من الإمارات يعني أن الدولة باتت جزءاً من خريطة إدارة الثروات العالمية، وليس فقط سوقاً لاستقبال الاستثمارات".

ويضيف السعيدي أن "العوائد الاقتصادية تتجلى في أربعة مستويات: تدفق رؤوس أموال جديدة نحو مشاريع محلية في العقار، التكنولوجيا والأسواق المالية، تعزيز مكانة القطاع المالي عبر استفادة البنوك، وشركات إدارة الأصول، خلق وظائف في إدارة الاستثمار والتحليل المالي، ودعم الاقتصاد غير النفطي".

لماذا الإمارات؟

ويؤكد أن "نجاح الإمارات في جذب المكاتب العائلية جاء نتيجة منظومة متكاملة من العوامل، أبرزها الموقع الجغرافي الاستراتيجي، الاستقرار الاقتصادي والسياسي، واقتصاد متنوع يحتضن التكنولوجيا، الطاقة المتجددة، العقار والخدمات المالية".

"الجانب التشريعي لا يقل أهمية، إذ طورت الدولة أطراً تنظيمية متقدمة للمكاتب العائلية، وعززت حماية حقوق المستثمرين، وأتاحت الملكية الأجنبية الكاملة في قطاعات واسعة، كما أن النظام الضريبي التنافسي وغياب ضريبة الدخل على الأفراد يمثلان عاملاً حاسماً في قرار أصحاب الثروات اختيار الإمارات على حساب مراكز مالية منافسة"، حسبما يشير.

الأثر الاقتصادي

ويلفت السعيدي إلى أن "الأثر الاقتصادي لاستقطاب المكاتب العائلية يتجاوز حجم الأموال المحولة، فهو يخلق منظومة اقتصادية متكاملة"، موضحاً أن تأثيرها يمتد إلى ثلاثة محاور: في العقار عبر زيادة الطلب على العقارات التجارية والسكنية الفاخرة والمشاريع طويلة الأمد، وفي الأسواق المالية عبر تعميق السوق بالاستثمار في الأسهم والسندات والصناديق الاستثمارية، وفي الشركات الناشئة".

ويرى خبير الاقتصاد أن "رأس المال العائلي يختلف جوهرياً عن الاستثمارات قصيرة الأمد، لأنه يستثمر لفترات أطول ويركز على بناء المشاريع والاستدامة".