صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (24)
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (24)
السبت 27 يونيو 2026 / 14:54

بعد سنوات من الإنفاق.. 2026 يختبر العائد الحقيقي للذكاء الاصطناعي

يتأهب قطاع الأعمال العالمي لمنعطف حاسم في 2026، إذ يتجه الرهان الحقيقي للاستثمار في الذكاء الاصطناعي نحو تحوّل جذري ينهي حقبة الفوائد المحدودة ويبدأ عصر "العوائد الكبرى".

السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الشركات لم يعد: "كيف يساعد الذكاء الاصطناعي الموظفين على العمل بصورة أسرع؟"، بل أصبح: "أي من عملياتنا الأساسية يجب أن يديرها الذكاء الاصطناعي بالكامل؟".

ورغم الضخ المالي الضخم الذي شهدته السنوات الماضية، فإن العديد من الشركات لم تلمس بعد النتائج التي كانت تتوقعها، وسط قناعة متزايدة بأن المشكلة لم تكن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في توجيه الاستثمارات إلى المسار الخطأ.

وبعد عامين من اعتماد ميزانيات ضخمة للذكاء الاصطناعي، بدأت مجالس الإدارات والمديرون الماليون في الشركات الكبرى يطالبون بإجابات واضحة حول العائد الحقيقي لهذه الاستثمارات، مع إخضاع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لنفس معايير التقييم الصارمة المطبقة على المشروعات الرأسمالية الكبرى.

لماذا لم تتحقق العوائد بعد؟

تشير دراسة عالمية أجرتها شبكة PwC إلى فجوة حادة في الاستفادة من التقنية؛ إذ تستأثر 20% فقط من المؤسسات ب 74% من إجمالي القيمة الاقتصادية التي يولدها الذكاء الاصطناعي.

ويكمن السبب الرئيسي وراء هذه الفجوة في تركيز الشركات على أدوات المساعدة الشخصية التي تسرّع المهام الفردية للموظفين (مثل صياغة رسائل البريد الإلكتروني أو تلخيص المستندات)، متجاهلةً العمود الفقري للعمليات التشغيلية الأساسية التي تربط هذه المهام ببعضها وتحدد التكلفة والسرعة والقدرة التنافسية.

وتتجلى هذه الفجوة في قطاعات مثل الخدمات المالية والصناعات الدوائية والتصنيع، إذ تعتمد العمليات على سلاسل طويلة من الخطوات وتحليل كميات ضخمة من البيانات والالتزام بمتطلبات تنظيمية معقدة. وفي مثل هذه البيئات، فإن تسريع مرحلة واحدة داخل دورة العمل لا يختصر زمن العملية بالكامل، بل ينقل نقطة الاختناق إلى مرحلة أخرى.

وكانت دراسة صادرة عن McKinsey أشارت إلى أن أكبر الفرص الاقتصادية غير المستغلة للذكاء الاصطناعي تكمن في مجالات العمليات التشغيلية وسلاسل الإمداد وإدارة المخاطر، وهي بالوقت ذاته أقل المجالات استفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالية.

لماذا 2026 نقطة التحول؟

يرى الخبراء أن ثلاثة عوامل رئيسية تجعل 2026 بداية المرحلة الحقيقية لاستثمارات الذكاء الاصطناعي.

أول هذه العوامل هو نضوج البنية التقنية اللازمة لتشغيل ما يعرف بالذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)، الذي يعتمد على مجموعة من الوكلاء الرقميين القادرين على تنفيذ العمليات التشغيلية كاملة من بدايتها وحتى نهايتها، بدلاً من الاكتفاء بمساعدة الموظفين في أداء مهام منفردة.

ووفق تقرير Gartner Hype Cycle 2026، فإن 17% فقط من المؤسسات قامت حتى الآن بنشر وكلاء الذكاء الاصطناعي، بينما يتوقع أكثر من 60% اعتمادهم خلال العامين المقبلين، في واحدة من أسرع موجات تبني التكنولوجيا الحديثة داخل الشركات.

أما العامل الثاني يرتبط بتزايد الضغوط على الإدارات التنفيذية لإثبات العائد على الاستثمار، بعدما بلغ الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي 235 مليار دولار خلال 2024، مع توقعات بتضاعفه بأكثر من الضعف بحلول 2028، بحسب مؤسسة IDC.

ولم تكتف مجالس الإدارات والمستثمرون بعرض تجارب أو نماذج أوّلية، بل باتوا يطالبون بمؤشرات أداء واضحة تنعكس على هوامش الربحية، وسرعة تنفيذ العمليات، وتقليل المخاطر التشغيلية.

أما العامل الثالث، فهو تغير قواعد المنافسة نفسها، إذ لم يعد التأخر في تبني الذكاء الاصطناعي يعني انخفاض الكفاءة فقط، بل العمل وفق نموذج تشغيلي أعلى تكلفة وأبطأ من المنافسين الذين نجحوا في أتمتة عملياتهم بالكامل.

من مستورد إلى مصدّر.. الإمارات تتحوّل إلى "مصنع الذكاء الاصطناعي" - موقع 24بينما يحذر تقرير "مستقبل المهنيين 2026" الصادر عن شركة "تومسون رويترز" من أن التأخر في توظيف الذكاء الاصطناعي يضع إيرادات بـ143 مليار دولار في الولايات المتحدة وحدها على المحك، ويهدد المؤسسات بفقدان 24% من كفاءاتها خلال عامين، تظهر الإمارات في الطرف الآخر من المعادلة برؤية ...

العمّال الرقميون والحوكمة الصارمة

يشير الخبراء إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقال المؤسسات من الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي المساندة إلى ما يعرف بـ"العمال الرقميين"، وهم وكلاء ذكاء اصطناعي قادرون على الاندماج داخل البنية التشغيلية للمؤسسات وتنفيذ سير العمل بالكامل بصورة مستقلة، مع بقاء العنصر البشري مسؤولاً عن القرارات التي تتطلب حكماً بشرياً أو موافقات تنظيمية.

غير أن نجاح هذا النموذج يتطلب، بحسب الخبراء، بناء منظومة حوكمة متكاملة منذ البداية، بحيث يتم تسجيل كل قرار، وإمكانية تتبع جميع التوصيات، مع وجود آليات واضحة لتدخل البشر عند الضرورة، ما يعد شرطاً أساسياً في القطاعات الخاضعة لرقابة تنظيمية مشددة مثل الخدمات المالية والصناعات الدوائية.

وفي هذا السياق، يشير تقرير حديث صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن 82% من التنفيذيين يخططون لاعتماد وكلاء الذكاء الاصطناعي خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، إلا أن الفجوة لا تزال تتسع بين المؤسسات التي تكتفي بالتجارب المحدودة، وتلك التي تطبق حلولاً تشغيلية متكاملة ومدعومة بأطر حوكمة واضحة.

ويرى الخبراء أن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الشركات لم يعد: "كيف يساعد الذكاء الاصطناعي الموظفين على العمل بصورة أسرع؟"، بل أصبح: "أي من عملياتنا الأساسية يجب أن يديرها الذكاء الاصطناعي بالكامل؟". ويؤكدون أن المؤسسات التي تبدأ الإجابة عن هذا السؤال خلال 2026 ستكون الأكثر قدرة على بناء ميزة تنافسية مستدامة، بينما ستقضي الشركات المتأخرة السنوات المقبلة في محاولة اللحاق بالمنافسين.