الخوف من الدولار.. هل بدأت البنوك المركزية تفكر في بنية مالية بديلة؟
الثلاثاء 30 يونيو 2026 / 11:31
بدأت البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية إعادة تقييم مدى اعتمادها على الدولار الأمريكي، في تحول لا يستهدف تقليص الحيازات بقدر ما يعيد النظر في البنية التشغيلية لإدارة الاحتياطيات العالمية، بما يشمل الحفظ والتسوية عبر الحدود.
ورغم استمرار هيمنة الدولار على النظام النقدي العالمي، تتجه بعض المؤسسات إلى تعزيز مرونة محافظها عبر تنويع الأصول وزيادة حيازات الذهب والأصول الحقيقية، في إطار ترتيبات أقرب إلى "ممرات طوارئ" لتقليل الارتباط بالبنية المالية الأمريكية.
ممرات طوارئ
تقول وكالة "رويترز" للأنباء إن مسحاً جديداً أجرته شركة "إنفيسكو" أفاد أن صناديق ثروة سيادية وبنوكاً مركزية تدير أصولاً بقرابة 29 تريليون دولار بدأت عملية إعادة تقييم لمحافظها الاستثمارية، في ضوء تحولات جيوسياسية غير مسبوقة، بدءاً من الرسوم التجارية والحروب، وصولاً إلى إغلاق الممرات البحرية وتصاعد المخاوف بشأن موقع الدولار على المدى الطويل.
وبحسب المسح، لا تشير هذه التحركات إلى خروج من الدولار أو صعود بديل مباشر، بل إلى إعادة ضبط الاعتماد على البنية المالية الأمريكية، عبر زيادة التنويع نحو الذهب، والأصول الحقيقية، واستثمارات الطاقة، وشبكات مالية أقل ارتباطاً بالمؤسسات الأمريكية.
القلق يتعمق حول الدولار
وتوضح "رويترز" أن المخاوف بشأن الدولار باتت "واسعة ومتعمقة" بين المشاركين في المسح، إذ تقول 61% من البنوك المركزية إن ارتفاع الدين الأمريكي يؤثر سلباً في مكانة الدولار كعملة احتياط على المدى الطويل، مقارنة بـ20% فقط في عام 2024.
كما يرى 29% أن دور الدولار سيتراجع خلال خمس سنوات، مقابل 12% في 2022، في انعكاس لتزايد القلق من الدين الأمريكي، وعدم اليقين السياسي، وتوسع استخدام العقوبات المالية.
ورغم ذلك، لا تشير البيانات إلى تحول في النظام النقدي العالمي، بل إلى إعادة توزيع للمخاطر داخل المحافظ الاحتياطية.
الاستعداد للسيناريوهات الأسوأ
تقول "رويترز" إن بعض المؤسسات بدأت بالفعل مراجعة اعتمادها على أمناء الحفظ والأطراف المقابلة وبنى المقاصة في الولايات المتحدة، على خلفية التوترات الجيوسياسية.
ونقلت الوكالة عن بنك مركزي أوروبي أنه استبدل أمين الحفظ الأمريكي، فيما أكد بنك في أمريكا اللاتينية أنه "يبني علاقات حفظ جديدة خارج الولايات المتحدة تحسباً لسيناريوهات أسوأ".

الذهب يعود
يظهر مسح "إنفيسكو" أن ثلث المشاركين يعتزمون زيادة حيازاتهم من الذهب ضمن استراتيجية أوسع لتنويع الاحتياطيات.
وتقول صحيفة "ذا غارديان" إن الذهب استعاد جاذبيته لدى المؤسسات الرسمية لأنه لا يمثل التزاماً على دولة أو بنك أو طرف مقابل، ولا يواجه مخاطر التجميد أو المصادرة بالطريقة نفسها التي قد تتعرض لها الأصول المالية الخاضعة لأنظمة قانونية أو سياسية معينة.
كما تشير الصحيفة إلى أن "حصة الذهب في احتياطيات البنوك المركزية ارتفعت خلال العقد الماضي، متجاوزة في بعض التقديرات حصة اليورو ليصبح ثاني أكبر أصل احتياطي بعد الدولار، بالتزامن مع اتجاه عدد من البنوك المركزية إلى إعادة الذهب المخزن في الخارج إلى خزائنها المحلية".
تآكل سندات الخزانة الأمريكية
تشير صحيفة "فاينانشال تايمز" إلى أن سندات الخزانة الأمريكية، التي كانت تُعد الملاذ الآمن الأول عالمياً، تواجه ضغوطاً متزايدة مع ارتفاع الدين الأمريكي، وتنامي المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، إذ يبحث بعض المستثمرين عن بدائل تشمل الذهب، الفرنك السويسري، الدولار السنغافوري، والسندات الألمانية.
ومع ذلك، توضح "رويترز" أن تراجع الحيازات الأجنبية لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، لا يعني بالضرورة وجود موجة بيع واسعة لسندات الخزانة، إذ قد يعكس أيضاً تغيرات في الأسعار وأسعار الصرف أو نقل الأصول.
الدولار لا يزال في المركز
رغم هذه التحولات، يحذر اقتصاديون من المبالغة في الحديث عن نهاية هيمنة الدولار، يقول كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي بيير أوليفييه غورينشا لـ"رويترز"، إن "الاقتصاد العالمي لا يزال متمركزاً بقوة حول الدولار، ولا توجد مؤشرات على خروج واسع من النظام المالي الذي تقوده العملة الأمريكية".
ويعود ذلك إلى غياب بديل قادر على أداء الدور نفسه، فاليورو لا يمتلك عمق الأسواق المالية الأمريكية، واليوان لا يزال خاضعاً لقيود على حركة رؤوس الأموال، بينما لا يدر الذهب عائداً ولا يصلح وحده لإدارة السيولة، في حين لا تزال العملات الرقمية شديدة التقلب.
الطاقة تدخل معادلة الأمان
يظهر المسح أن 80% من المشاركين يرون أن أمن الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بالتحول الطاقي من أكثر الاستثمارات قدرة على تعزيز مرونة المحافظ الاستثمارية.
كما توضح "رويترز" أن البنية التحتية أصبحت تمثل نحو 9% من أصول صناديق الثروة السيادية في عام 2026، مع تزايد جاذبية استثمارات الطاقة بفعل الحروب، والتوترات التجارية، واضطرابات الممرات البحرية.