ساعة تفكيك التجارة.. هل تدخل سلاسل التوريد عصر الاتفاقات المشروطة؟
السبت 4 يوليو 2026 / 01:09
لم يكن قرار واشنطن عدم تجديد اتفاق التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا بصيغته الحالية، مجرد محطة جديدة في خلاف جمركي عابر، بل خطوة تضع واحدة من أكثر مناطق الإنتاج تكاملاً في العالم أمام عقد كامل من عدم اليقين.
وأعلن مكتب الممثل التجاري الأمريكي في 1 يوليو (تموز) أن الولايات المتحدة "لم توافق على تجديد" اتفاق (USMCA) بشكله الحالي، مع التأكيد أن الاتفاق سيظل سارياً إلى حين تسوية القضايا العالقة أو بلوغ موعد انتهائه، وبحسب رويترز، فإن القرار أطلق عملياً عدّاً تنازلياً مدته 10 سنوات قد ينتهي بانقضاء الاتفاق في 2036، إذا لم تتفق الدول الثلاث على تجديده أو تعديله، موضحة أن الاتفاق، يدعم اقتصاداً إقليمياً شديد الاندماج وحركة تجارة ثلاثية سنوية بنحو 1.6 تريليون دولار.
اتفاق باقٍ.. لكن اليقين يتآكل
لا يعني القرار الأمريكي خروجاً فورياً من الاتفاق، لكنه يحوّل المراجعة الدورية إلى مسار تفاوض سنوي مفتوح. وقالت الحكومة الكندية، في بيان عقب الاجتماع الثلاثي، إن الاتفاق "لا يزال سارياً بالكامل، ويمكن تجديده في أي وقت لفترة جديدة مدتها 16 عاماً"، كما أشارت إلى أن الاتفاق يدعم ملايين الوظائف في أمريكا الشمالية، وأنها تريد مناقشات جوهرية مع الولايات المتحدة بشأن الرسوم القطاعية على الصلب والألومنيوم والسيارات والأخشاب.
السيارات في قلب الخلاف
القضية الأكثر حساسية تبدو في قواعد منشأ السيارات. وذكرت رويترز أن الإدارة الأمريكية تطالب بأن تحتوي السيارات المصنعة في أمريكا الشمالية على 50% من المحتوى الأمريكي، بما يرفع متطلبات المحتوى الإقليمي إلى 82% للحصول على مزايا الاتفاق. ونقلت الوكالة عن مسؤولين أن واشنطن تريد تشديد قواعد المنشأ للسيارات والسلع الصناعية، ومنع دول أخرى، بينها الصين، من الاستفادة من الوصول التفضيلي إلى السوق الأمريكية عبر الاتفاق.
وتقول رويترز إن ترامب غيّر بالفعل العلاقة التجارية داخل الاتفاق عبر فرض رسوم بنسبة 25% على السيارات المكسيكية والكندية، و50% على المعادن، و10% على الأخشاب. كما نقلت عن الرئيس التنفيذي لنيسان إيفان إسبينوزا أن سلاسل الإمداد الحالية "ليست مهيأة" لبناء كل المكونات داخل الولايات المتحدة، محذراً من أثر أي متطلبات جديدة على القدرة الشرائية لمشتري السيارات الأمريكيين.
ولا يقتصر القلق على السيارات. إذ أشارت رويترز إلى أن مجموعات زراعية أمريكية تدعو إلى استمرار الاتفاق، لأن المكسيك وكندا تشتريان معاً أكثر من ثلث الصادرات الزراعية الأمريكية.
من أمريكا الشمالية إلى آسيا
الأمر نفسه يظهر في آسيا، لكن بشكل مختلف، إذ تقول الوكالة، إن الولايات المتحدة وفيتنام توصلتا إلى إطار اتفاق ينص إلى إبقاء رسوماً بنسبة 20% على معظم السلع الفيتنامية، مع إمكانية خفض بعض الرسوم إلى صفر لاحقاً، بينما سبق أن أعلن ترامب فرض 40% على السلع المعاد شحنها عبر فيتنام من دول ثالثة. وذكرت رويترز أن البلدين تعهدا بتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، بما يشمل مكافحة التهرب من الرسوم والتعاون في ضوابط التصدير.
وتشير رويترز إلى أن بعض المصانع في الصين حاولت استغلال فترات انخفاض الرسوم لشحن مزيد من السلع بشكل سريع، بينما أبقت شركات أخرى على عقلية فك الارتباط على المدى الطويل، في ظل هشاشة العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين وتوقعات عودة الرسوم.
أوروبا تبني جدراناً
في أوروبا يبدو أن الأمر يتخذ شكلاً أكثر مؤسسية وتنظيماً، إذ أعلنت المفوضية الأوروبية فرض رسوم جمركية مؤقتة قدرها 3 يوروهات على الطرود منخفضة القيمة القادمة من خارج الاتحاد الأوروبي، اعتباراً من مطلع يوليو (تموز) 2026، موضحة أن ملايين الطرود تدخل يومياً وبعضها لا يلتزم بمعايير السلامة أو يتم تخفيض قيمته أو التصريح عنه بشكل مضلل.
وفقاً للوكالة، فإن الخطوة الأوروبية تستهدف منصات مثل "شي إن" و"تيمو" و"علي إكسبريس"، بعد زيادة عدد طرود التجارة الإلكترونية الأقل من 150 يورو إلى 5.8 مليار طرد في 2025 مقارنة بـ1.4 مليار في 2022.
وتنقل رويترز عن مستشار في الشحن الجوي توقعه انخفاض شحنات التجارة الإلكترونية الجوية المتجهة إلى الاتحاد الأوروبي بين 10% و35% بعد تطبيق الرسوم.
أما بشأن الصلب، أعلنت المفوضية الأوروبية نظاماً جديداً يقلص حصص الاستيراد المعفاة من الرسوم بنحو 47%، ويرفع الرسم خارج الحصص إلى 50%، بهدف مواجهة فائض الطاقة الإنتاجية العالمي وحماية الصناعة الأوروبية، وتقول "رويترز"، إن النظام الجديد يخفض الحصص السنوية المعفاة إلى 18.3 مليون طن، ويخصص نصف الحصص لشركاء اتفاقيات التجارة الحرة.
كما تنقل الوكالة عن غولدمان ساكس أن المشكلة الأكبر لأوروبا مع الصين ليست اتساع العجز التجاري فقط، بل خسارة الشركات الأوروبية حصصاً في أسواق ثالثة أمام الصادرات الصينية، خصوصاً في معدات النقل والآلات الصناعية، مع تراجع حصة أوروبا من صادرات السلع الرأسمالية عالمياً من 54% في 2005 إلى 43% في 2026، مقابل صعود الصين إلى 24% من 7% في نفس الفترة.
هل يتراجع نظام التجارة العالمي؟
لا توجد "اتفاقية تجارة حرة عالمية" واحدة بالمعنى الحرفي، لكن النظام التجاري العالمي يقوم على قواعد منظمة التجارة العالمية، وفي قلبها مبدأ "الدولة الأولى بالرعاية"، ويعني عدم التمييز بين الشركاء التجاريين، ووفق مدونة بيانات لمنظمة التجارة العالمية، ظل هذا المبدأ يشكل حجر زاوية للتجارة العالمية، إذ كان أكثر من أربعة أخماس تجارة السلع العالمية يجري وفق شروط غير تفضيلية رغم انتشار الاتفاقيات الإقليمية والثنائية.
لكن رويترز نقلت عن المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو إيويالا في سبتمبر (أيلول) 2025، أن "حصة التجارة العالمية التي تتم وفق شروط المنظمة هبطت إلى 72% من نحو 80%"، ووصفت ذلك بـ"أكبر اضطراب في قواعد التجارة العالمية منذ الحرب العالمية الثانية". كما حذرت من أن "آثار الرسوم قد تظهر لاحقاً في 2026 مع تراجع أثر التخزين المسبق للسلع".
وفي يونيو (حزيران) 2026، قالت منظمة التجارة العالمية، بحسب رويترز، إن هناك "مؤشرات على أن نمو تجارة السلع العالمية بدأ يتباطأ"، متوقعة "تباطؤ النمو من 4.6% في 2025 إلى 1.9% في 2026".
منعطف حرج
تقول رويترز، إن الاتحاد الأوروبي وأعضاء اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، اعتبروا، على هامش الاجتماع الوزاري للمنظمة في مارس (أذار) 2026، أن منظمة التجارة العالمية عند "منعطف حرج" وتحتاج إلى "إصلاح عميق"، بالإضافة إلى "التركيز على تنويع التجارة ومرونة سلاسل الإمداد ومواجهة الممارسات المشوهة للسوق وفائض الإنتاج".