علم الولايات المتحدة الأمريكية (رويترز)
السبت 4 يوليو 2026 / 16:16
بينما تحتفل الولايات المتحدة الأمريكية بالذكرى الـ250 على تأسيسها، تضاعف حجم الاقتراض الأمريكي بشكل متسارع وإلى مستوى مرتفع على مدار قرنين ونصف من الزمان.
وتخلل هذا الارتفاع الذي بلغت 55000% ما بين حروب، وانهيارات مالية، وصدمات عالمية، قبل أن يستقر في فترات من الاستقرار النسبي، ليعود ويصعد مجدداً، ويعرض تاريخ الدين الأمريكي نمطاً مألوفاً للإنفاق في أوقات الحاجة والتوسع أحياً، مدفوعاً بالقوة الاقتصادية للبلاد وموقعها المركزي المتزايد في النظام المالي العالمي، وفق مجلة "نيوزويك" الأمريكية.
"ثمن الحرية" في السنوات الأولى
وفقاً للبيانات التاريخية الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية، سجلت أمريكا أول دين وطني لها في أواخر القرن الثامن عشر، عندما قام أول وزير خزانة، ألكسندر هاملتون، بدمج متأخرات الأمة من خلال "قانون التمويل لعام 1790".
ونتج هذا الالتزام البالغ 71 مليون دولار أي (2.6 مليار دولار اليوم) عن الاقتراض لتمويل حرب الاستقلال بشكل رئيسي من مقرضين فرنسيين وهولنديين، فضلاً عن الديون التي تحملتها الحكومة الفيدرالية عن الولايات الإقليمية.
ووصف "هاملتون" حينها ديون الثورة للدولة الناشئة بعبارته الشهيرة بأنها "ثمن الحرية"، وقال إن الدين الوطني "إذا لم يكن مفرطاً، سيكون بمثابة نعمة وطنية لنا".
أما المحطة البارزة التالية جاءت في 1835، عندما دفع الرئيس أندرو جاكسون الذي كان يؤمن بأن المديونية تشكل تهديداً أساسياً للحرية باتجاه خفض الدين الوطني إلى الصفر، وهي المرة الوحيدة في تاريخ البلاد التي أصبحت فيها خالية تماماً من الديون.
ولكن سرعان ما استؤنف الاقتراض بعد ذلك، وترسخ النمط طويل الأجل الذي بات يحدد التاريخ المالي لأمريكا منذ ذلك الحين.
قفزات الديون
وأحدثت الحرب الأهلية الأمريكية تحولاً جذرياً في المالية الفيدرالية، إذ تجاوز الدين الوطني مليار دولار في 1863 ووصل إلى قرابة 3 مليارات دولار بحلول وقت انتهائها في أبريل (نيسان) 1865، بعد أن كان يقف عند نحو 65 مليون دولار فقط عام 1860.
ومع التحول إلى القرن العشرين، ظل الدين الوطني في حدود المليارات المنخفضة، ولكن تماشياً مع النمط المألوف للموجات السابقة والمستقبلية، أدى دخول أمريكا الحرب العالمية الأولى في عام 1917 إلى حدوث زيادة حادة أخرى.
ثم جاءت قفزة بقيمة 10 مليارات دولار وهي متواضعة نسبياً بالمعايير الحديثة في السنوات الخمس التي أعقبت انهيار "وول ستريت" عام 1929 (الكساد الكبير)، ليعود المحفز الكبير التالي متمثلاً في تورط أمريكا بنزاع عالمي آخر؛ إذ دفع النمو الانفجاري الناجم عن الإنفاق الهائل في الحرب العالمية الثانية بالدين الوطني من 43 مليار دولار في 1940 إلى أكثر من 250 مليار دولار بحلول 1945.
كما شهدت الفترة التي أعقبت الحرب مباشرة المرة الأولى التي يتجاوز فيها الدين حاجز 100% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وهي علامة لم تتحقق سوى مرتين أخريين لاحقاً حيث بلغت النسبة ذروتها عند 119% في 1946.
الدخول في عصر التريليونات
ووفق وزارة الخزانة، فإن نمو الدين بعد الحرب العالمية الثانية تماشى تماماً مع معدل التضخم وانخفض كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي حتى ثمانينيات القرن الماضي بفضل "النمو الاقتصادي القوي خلال معظم تلك الفترة".
ومع ذلك، استمر الرصيد المستحق على أمريكا في الارتفاع على مر العقود، وتجاوز حاجز التريليون دولار لأول مرة في 1981 تحت إدارة الرئيس رونالد ريغان، الذي اعتبر ذلك بمثابة جرس إنذار للمشرفين على مالية البلاد.
وفي حين استغرق الأمر من الولايات المتحدة قرابة 200 عام للوصول إلى التريليون الأول، إذ ضاعفت هذا الرقم في ثلاث سنوات فقط.
وجرى تمويل الحملات العسكرية الطويلة في العراق وأفغانستان بشكل أساسي من خلال الإنفاق بالعجز، ما ساهم مباشرة في زيادة الدين الوطني في وقت سحبت فيه أزمة انفجار فقاعة "الإنترنت" بعض الزخم من الاقتصاد الأمريكي.
وعندما حلت الأزمة المالية العالمية في 2008، أدى انهيار الإيرادات الضريبية والإنفاق الطارئ إلى تسريع هذا الاتجاه، ليتجاوز الدين حاجز 10 تريليونات دولار لأول مرة.
وشهدت السنوات الـ18 التالية قيام رؤساء ديمقراطيين وجمهوريين بتسجيل عجز ضخم في الميزانية، ما حول قفزات الديون التي كانت تحدث في أوقات متفرقة سابقاً إلى اتجاه هيكلي ومستمر.
وسجلت جائحة كوفيد-19 القفزة الأكثر دراماتيكية، إذ أضافت رقماً قياسياً قدره 4.2 تريليون دولار عام 2020 وحده، إذ استُخدم الإنفاق الطارئ لدعم الاقتصاد المنهار.
واستغرقت أمريكا قرنين من الزمان لتصل إلى تريليون دولار، وثلاثة عقود فقط لتصل إلى 10 تريليونات دولار، و14 عاماً أخرى فقط ليتضخم الدين الوطني إلى 30 تريليون دولار. ووفق الوتيرة الحالية، فإن البلاد في طريقها للوصول إلى مديونية 40 تريليون دولار بحلول سبتمبر من هذا العام.
كيف يُقارن الدين الأمريكي بالدول الأخرى؟
يفوق دين أمريكا البالغ 39 تريليون دولار مديونية أي دولة أخرى بفارق شاسع، وتأتي الصين في المرتبة التالية كأقرب منافس بدين يقدر ب 19 تريليون دولار. وإن الولايات المتحدة تمتلك رصيداً مستحقاً أصغر من العديد من نظرائها في الدول الصناعية، إذ يبلغ الدين الوطني للبلاد حالياً نحو 126% من ناتجها المحلي الإجمالي، وفق الصندوق النقد الدولي. ويتوقع الصندوق أن يصل الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي إلى 32.4 تريليون دولار هذا العام، ارتفاعاً من نحو 31 تريليون دولار في 2025.
وفي تصريح لمجلة نيوزويك، يقول جوناثان بورتس، أستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في كينغز كوليدغ لندن: "بالتأكيد لا توجد أهمية خاصة، اقتصادية أو غير ذلك، لأي رقم بعينه. والجدير بالذكر أن الدين الوطني لليابان، مقارنة بحجم اقتصادها، يعادل أكثر من ضعف دين الولايات المتحدة منذ عقود، ولم يثبت أن هذا الوضع غير مستدام، ولم يتسبب في أزمة، بل ولم يكن حتى المشكلة الاقتصادية الأكثر خطورة لليابان طوال تلك الفترة".
من جانبه، يقول ستيف هانكي، أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكنز، "إن الـ39 تريليون دولار من الدين الوطني تمثل عبئاً اقتصادياً لأنه يجب سداد فوائدها وخدمتها"، مشيراً إلى أن نحو خُمس الضرائب الفيدرالية يذهب حالياً لسداد الفوائد المترتبة على هذا الدين.
وحذر خبير الاقتصاد دوغ إلميندورف، أستاذ السياسة العامة في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، من أن هذا الوضع يدفع أسعار الفائدة للارتفاع على جميع أنواع الاقتراض، بدءاً من العقارات وحتى قروض السيارات. ويعتقد إلميندورف أن هذا قد يتسبب في المستقبل بحدوث "أزمة مالية"، وعندها "سترتفع أسعار الفائدة بشكل حاد".