صورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي (24)
الخميس 9 يوليو 2026 / 19:44
تكشف تقارير الناتج المحلي للمدن والدول أكثر من وتيرة نمو الاقتصاد. فإلى جانب النسب المعلنة، ترسم مساهمة القطاعات الاقتصادية خريطة أكثر عمقاً لمصادر النشاط، وتوضح أي قطاعات تكتسب وزناً أكبر في دفع الاقتصاد، وأين تتشكل الفرص الاستثمارية.
تقدم دبي نموذجاً عملياً لهذه القراءة. فاستناداً إلى بيانات الناتج المحلي الصادرة عن مؤسسة دبي للبيانات والإحصاء التابعة لدبي الرقمية، يظهر أن القطاعات الرئيسة لم تتغير جذرياً بين الأشهر التسعة الأولى من عام 2024 والربع الأول من عام 2026، لكن أوزانها في دفع الاقتصاد شهدت تحولاً تدريجياً، مع احتفاظ التجارة بموقعها كأكبر قطاع، وارتفاع الوزن النسبي لقطاع النقل والتخزين.
التجارة تتصدر... والنقل يعزز حضوره
وأظهرت بيانات الأشهر التسعة الأولى من عام 2024 تصدر تجارة الجملة والتجزئة القطاعات من حيث المساهمة في النمو بنسبة 22.6%، تلتها أنشطة النقل والتخزين بنسبة 20.8%، ثم الأنشطة المالية والتأمين بنسبة 16.6%، وهو ما عكس الدور المحوري للتجارة والخدمات اللوجستية والقطاع المالي في النشاط الاقتصادي للإمارة.

وخلال الربع الأول من عام 2025، حافظت التجارة على موقعها كأبرز مساهم في النمو، بعدما دفعت الاقتصاد بنحو 1.03 نقطة مئوية، تلتها الأنشطة المالية والتأمين بمساهمة بلغت 0.8 نقطة مئوية، ثم العقارات بنحو 0.6 نقطة مئوية. وفي المقابل، سجلت أنشطة صحة الإنسان والعمل الاجتماعي أعلى معدل نمو بين جميع القطاعات بنسبة 26%، رغم أن مساهمتها في الناتج المحلي بلغت 1.5%.
النقل يصبح أكبر مساهم
أما في الربع الأول من عام 2026، الذي صدرت بياناته وفق سلسلة الناتج المحلي المحدثة مطلع العام استناداً إلى أحدث نتائج المسوح الاقتصادية، فأعادت خريطة المساهمات ترتيبها، بعدما أسهم قطاع النقل والتخزين بنحو 0.88 نقطة مئوية، بما يعادل 37% من إجمالي النمو المتحقق، ليصبح أكبر مساهم في دفع الاقتصاد خلال الفترة. وفي الوقت نفسه، حافظ نشاط تجارة الجملة والتجزئة على موقعه كأكبر قطاع في اقتصاد دبي، بحصة تقارب 22% من الناتج المحلي الإجمالي، وأسهم بما يقارب 24% من النمو المتحقق، بينما واصل قطاعا التشييد والعقارات تسجيل معدلات نمو إيجابية، واستمرت أنشطة صحة الإنسان والعمل الاجتماعي في تحقيق أعلى معدل نمو بين القطاعات.
ولا تأتي مؤشرات دبي بمعزل عن اتجاهات الاقتصاد العالمي، إذ تتوقع منظمة التجارة العالمية في تقريرها Global Trade Outlook and Statistics – March 2026 استمرار نمو تجارة الخدمات خلال عام 2026، مقابل تباطؤ نمو تجارة السلع، في وقت تتزايد فيه أهمية كفاءة النقل والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد بالنسبة للمراكز التجارية العالمية.
وفي هذا السياق، يكتسب ارتفاع مساهمة النقل والتخزين في دفع الاقتصاد في دبي أهمية إضافية ضمن بيئة تتزايد فيها المنافسة بين المراكز التجارية العالمية على سرعة وكفاءة حركة البضائع والخدمات، بحسب عبدالرحمن عادل، خبير اقتصاد.
تنوع أكبر في مصادر القيمة المضافة
ويقول عادل لـ24، إن ذلك يعكس تحولاً في تركيبة القيمة المضافة داخل الاقتصاد أكثر من كونه تحولاً في هوية الاقتصاد نفسه. فالتجارة ما زالت تشكل القاعدة الأكبر للنشاط الاقتصادي في دبي، إلا أن اتساع مساهمة النقل والتخزين يشير إلى أن القيمة الاقتصادية لم تعد تتولد من حركة التبادل التجاري وحدها، بل من الخدمات المرتبطة بها، بما يشمل النقل، والتخزين، وإدارة سلاسل الإمداد، والخدمات الداعمة للأعمال.
ويقرأ الخبير المؤشرات بأنها انعكاس لانتقال الاقتصاد إلى مرحلة يصبح فيها تكامل القطاعات أكثر أهمية من أداء كل قطاع على حدة، إذ لم تعد التجارة والخدمات اللوجستية والعقارات والأنشطة المالية تعمل كمحركات منفصلة، بل كمنظومة اقتصادية مترابطة تعزز إنتاجية بعضها بعضاً، وهو ما يرفع قدرة الاقتصاد على الحفاظ على زخمه حتى مع تغير الظروف الاقتصادية العالمية.
ويرى أن هذا التنوع يحمل دلالة مهمة للمستثمرين، لأنه يعكس اقتصاداً تتوزع فيه مصادر توليد القيمة المضافة بين أكثر من قطاع، وهو ما يقلل من الاعتماد على نشاط واحد، ويعزز قدرة الإمارة على استقطاب الاستثمارات طويلة الأجل، ويدعم استدامة النمو في إطار مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية D33.