السبت 11 يوليو 2026 / 17:01
لم يكن "القَطْر" أو "الوابور" كما يسميه المصريون، مجرد وسيلة نقل، بل تحول عبر نحو قرنين إلى أحد أبرز رموز الهوية المصرية، حاملاً في عرباته حكايات الناس، بينما نُسجت على أرصفته قصص الحب والفراق. وعلى دويّ صفاراته وصرير عجلاته كُتبت فصول من التاريخ والسياسة والفن، ليصبح بطلاً صامتاً في السينما والأدب، ورمزاً للزمن والحركة والتغيير.
مصر ثاني دولة في العالم تستخدم السكك الحديدية بعد بريطانيا
بدأت فكرة إنشاء سكك حديد مصر 1834، وأُعيد إحياؤها 1851 بعقد قيمته 56 ألف جنيه إنجليزي بين الخديوي عباس الأول وروبرت ستيفنسون لإنشاء خط القاهرة–الإسكندرية
ألّف المهندس البلجيكي ليونيل فينير في 1930 كتاب "تاريخ سكك حديد مصر" وصدر في نسخته العربية عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة عام 2025 في مجلد يتجاوز 400 صفحة
ومع احتفال مصر بمرور 175 عاماً على إنشاء السكك الحديدية، يعود الحديث عن إرثٍ لم يقتصر على كونه شبكة مواصلات، بل بات شاهداً على تحولات المجتمع المصري منذ القرن التاسع عشر.
"القطار" موكب ملكي ينتظره المصريون
لم يكن حضور القطار مقتصراً على الحياة اليومية، بل امتد إلى قلب المشهد السياسي خلال العصر الملكي. فقد اعتاد الملك فاروق، الذي حكم مصر بين عامي (1936 و 1952)، السفر سنوياً من القاهرة إلى الإسكندرية، العاصمة الصيفية للملك آنذاك، على متن قطاره ، في رحلة كانت تتحول إلى حدث وطني تعلن عنه الصحف مسبقاً، وتستعد له المحافظات الواقعة على خط السير، بينما يحتشد آلاف المواطنين على جانبي "السكة"، في رحلة أقرب إلى احتفالية شعبية تمتد من محطة إلى أخرى.
وكان القطار الملكي المميز بلونيه الفضي والأخضر تحفة هندسية تعكس مظاهر الرفاهية في ذلك العصر، إذ زُود بأحدث التقنيات المتاحة وقتها، من أجهزة كهربائية متطورة، هواتف داخلية، أثاث فاخر و"غراموفون" للاستمتاع بالموسيقى. وكان ذلك أول قطار ملكي من نوعه في شرق المتوسط، وقد جُهز على مدى عامين خلال عهد فاروق بكلفة 350 ألف جنيه (تعادل عشرات الملايين الآن).
ولشدة اهتمام الملك بالقطار، أُنشئت محطة فاخرة داخل قصر القبة بالقاهرة لاستقبال الضيوف الرسميين وكبار الشخصيات، في مشهد يعكس المكانة التي احتلتها السكك الحديدية داخل المؤسسة الملكية. وتحتفظ هذه العربات اليوم بقيمتها التاريخية بعد ترميمها وعرضها ضمن مقتنيات متحف السكة الحديد.

من الملكية إلى الجمهورية.. القطار منصة للتواصل مع الشعب
حتى إبان ثورة يوليو (تموز) 1952 وإنهاء الحكم الملكي، لم يفقد القطار مكانته السياسية، بل ظل وسيلة التواصل الأقرب بين قادة الدولة والمواطنين. فقد ظهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة مراراً وهم يجوبون المحافظات بالقطار، يلوحون للجماهير المحتشدة في المحطات، لتصبح عربات السكك الحديدية منصة للتواصل المباشر مع المصريين، تماماً كما كانت في العهد الملكي، وإن اختلفت الرسائل والرموز.

متحف يحفظ ذاكرة السكك الحديدية
وفي قلب ميدان رمسيس، يقف متحف السكة الحديد شاهداً على هذه الرحلة الطويلة، منذ افتتاحه في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1932. وهو من أقدم متاحف السكك الحديدية في العالم، إذ يضم قرابة 700 نموذج أثري ووثائق أصلية وخرائط نادرة، بيانات إحصائية وأجهزة ميكانيكية ومجسمات للقاطرات القديمة، توثق تاريخ الهيئة القومية لسكك حديد مصر، الأعرق عربياً والثانية عالمياً بعد بريطانيا.

(صورة لقطار سعيد باشا الملكي في المتحف- تصوير بسمة مشالي)
ومن أبرز مقتنياته القاطرة الملكية الخاصة بالخديوي سعيد باشا، التي أهدتها فرنسا إليه في القرن التاسع عشر، إضافة إلى قطار الملك فاروق الذي خضع لعمليات ترميم دقيقة قبل عرضه للجمهور، ليمنح الزائرين فرصة نادرة لاكتشاف جانب من تاريخ النقل والسياسة في مصر.

(ماكيت قطار سعيد باشا الملكي في المتحف-تصوير بسمة مشالي)

(أدوات الكمسري قديماً وكيفية قطع التذاكر في المتحف- تصوير بسمة مشالي)
السينما.. عندما يصبح القطار بطلاً درامياً
وربما لم يمنح "فنٌ" القطار مكانة رمزية كما فعلت السينما المصرية، التي جعلت منه أكثر من مجرد خلفية للأحداث، بل شخصية درامية قائمة بذاتها. إذ ارتبط القطار في الوجدان السينمائي بالقدر، الانتظار، الرحيل والبدايات الجديدة. كما تحول إلى مساحة تلتقي فيها الأحلام بالخيبات، العشاق بالغرباء، والفراق بالأمل.
ويظل فيلم باب الحديد (1958) للمخرج يوسف شاهين أبرز تجليات هذه العلاقة. ففي رحاب "محطة مصر"، رسم شاهين واحدة من أهم كلاسيكيات السينما العربية من خلال شخصية "قناوي"، بائع الصحف البسيط المهووس بجمال "هنومة"، التي جسدت شخصيتها هند رستم، قبل أن يقوده هوسه بحبها إلى الجنون على قضبان القطار قبل إنقاذه. وصُنّف الفيلم رابع أفضل فيلم في تاريخ السينما المصرية ضمن قائمة أفضل 100 فيلم أعدها نقاد السينما عامي 1997 و 2013.

وكذلك "سيدة القطار" 1952 الذي تدور أحداثه حول حادث تصادم مأساوي، وفيلم الإثارة "القطار" 1986 الذي يتحكم فيه راكب لإنقاذ الركاب بعد فقدان السائق، وكذلك "قطار الليل" 1953. وكلها أسماء لأفلام ارتبطت بالمكان ذاته "محطة مصر" أو "محطة رمسيس" والتي كان يُطلق عليها في الماضي اسم "باب الحديد" ومنه استلهم المخرج يوسف شاهين فيلمه.

شريان لا يتوقف
اليوم، لا تزال السكك الحديدية تعد شرياناً في حياة المصريين. فوفق بيانات الهيئة القومية لسكك حديد مصر، تنقل الشبكة قرابة 500 مليون راكب سنوياً، بمتوسط 1.4 مليون راكب يومياً، لتظل الوسيلة الأكثر ارتباطاً بهم، ليس فقط لأنها تصل بين المدن والقرى، بل لأنها تحمل أيضاً إرثاً ثقافياً وإنسانياً صنعته أجيال متعاقبة.

وهكذا، لم يكن القطار في مصر مجرد وسيلة للانتقال من محطة إلى أخرى، بل رحلة ممتدة في وجدان شعب كامل، بدأت بقاطرات البخار، ومرت بالقصور الملكية وخطابات الزعماء، واستقرت على شاشة السينما وفي ذاكرة الملايين، ليبقى صوته حتى اليوم أحد أكثر الأصوات قدرة على استدعاء الحنين، واستحضار تاريخ لا يزال يسير على القضبان.