رئيس وزراء كندا مارك كارني مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (أ ف ب)
الأحد 12 يوليو 2026 / 12:22
عندما حصلت هيئة الإذاعة العامة الكندية على العضوية الكاملة في "اتحاد البث الأوروبي"، ممهدةً الطريق لمشاركة البلاد الأولى في مسابقة الأغنية الأوروبية المعروفة باسم "يوروفيجن" عام 2027، بدا الأمر كحدث ثقافي بارز غير متوقع، يعكس بناء شراكات تجارية وأمنية بين كندا والاتحاد الأوروربي على حساب الولايات المتحدة.
غولدغايير: من الطبيعي تعزيز كندا لعلاقاتها مع الناتو بعد ضغوط واشنطن
الاتحاد الأوروبي أصبح وجهة متنامية للمصدرين الكنديين
لكن هذه الخطوة تعتبر أحدث مؤشر على تحول أوسع في السياسة الخارجية لأوتاوا، إذ تعمل حكومة رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، على تعميق علاقات بلاده مع أوروبا في مجالات الدفاع والتجارة والثقافة أيضاً.
لماذا اتجهت كندا إلى أوروبا؟
تتسارع وتيرة هذه الاستراتيجية منذ تولي كارني منصبه في مارس (آذار) 2025، على خلفية التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة حول ضم كندا باعتبارها "الولاية رقم 51"، إلى جانب الشكوك المتزايدة بشأن التزام واشنطن طويل الأجل تجاه حلفائها.
ورداً على ذلك، تسعى أوتاوا إلى بناء شراكات أقوى مع المؤسسات الأوروبية مع العمل على تقليل اعتمادها على جارتها الجنوبية في مختلف المجالات.
هذا التحول كان ملموساً على عدة جبهات؛ فإلى جانب ظهور كندا المرتقب في مسابقة "يوروفيجن"، انضمت الحكومة إلى أداة تمويل الدفاع الأوروبية (SAFE) البالغ قيمتها 150 مليار يورو، ودعمت إنشاء "بنك الدفاع والأمن والمرونة" بقيادة كندية، والذي أُعلن عنه في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) هذا الشهر في تركيا. كما توسع أوتاوا علاقاتها الاقتصادية مع أوروبا عبر مبادرات مختلفة، مثل "اتفاقية التجارة الرقمية بين الاتحاد الأوروبي وكندا"، بالتوازي مع السعي لتحقيق هدف أوسع يتمثل في تنويع الصادرات خارج السوق الأمريكية.
وفي هذا الصدد، يقول أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأمريكية والخبير في شؤون الناتو والأمن عبر الأطلسي جيمس غولدغايير، إن الاستجابة الكندية تعكس التغيرات في المشهد الجيوسياسي وتدهور علاقتها مع واشنطن في آن واحد.
ويوضح في تصريح لشبكة نيوزويك: "لقد حاول ترامب ممارسة الضغط على كندا من خلال حديثه المتقطع عن "الولاية الـ 51"، ومن الطبيعي أن تعمل كندا على تعزيز علاقاتها مع حلفاء الناتو الآخرين كوسيلة للتعامل مع الوضع الذي تجد نفسها فيه اليوم".
ويُعد ظهور كندا الوشيك في مسابقة "يوروفيجن" الرمز الأكثر وضوحاً لعلاقاتها الآخذة في التعمق مع أوروبا.، إذ حصلت شبكة راديو كندا على العضوية الكاملة في اتحاد البث الأوروبي في 25 يونيو (حزيران) الماضي، بعد الموافقة على عضويتها في الجمعية العامة للمنظمة في براغ.
ورغم أن هيئة الإذاعة العامة الكندية حافظت على علاقاتها مع الاتحاد كعضو منتسب لأكثر من سبعة عقود، إلا أن العضوية الكاملة وحدها هي التي تمنحها حق التعاون الإضافي مع هيئات البث العامة الأوروبية، وتجعل كندا مؤهلة للمشاركة في "يوروفيجن".
وبعد أقل من أسبوع على الموافقة على العضوية، أعلن مسؤولون أن كندا ستشارك في النسخة الـ 71 من مسابقة يوروفيجن للأغنية في بلغاريا العام المقبل، لتصبح أول دولة جديدة تنضم إلى المسابقة من خارج أوروبا بعد انضمام أستراليا لها في 2015.
ومن جانبه، يقول كالوم رو، المشارك في بودكاست The Euro Trip المعني بتغطية أخبار يوروفيجن، إن التدخل الحكومي جعل المشاركة الكندية تتجاوز مجرد قرار ترفيهي عادي.
ويوضح رو لـ نيوزويك: "لو كانت هذه مجرد قصة بث وترفيه، لما أجرينها هذا النقاش. أعتقد أن لدى الحكومة أموراً أهم لتنشغل بها من مجرد مساعدة هيئة بث على المشاركة في مسابقة أغاني لأغراض ترفيهية؛ ولهذا السبب فإن الأمر أكبر بكثير من مجرد دخول كندا للمنافسة".

شراكة أمنية جديدة
ومن الثقافة إلى الدفاع، وضعت أوتاوا نفسها بشكل متزايد إلى جانب الحلفاء الأوروبيين في مجالي الدفاع والأمن خلال العام الماضي.
في قمة الناتو التي عُقدت بأنقرة مؤخراً، أيد قادة الحلف إنشاء "بنك الدفاع والأمن والمرونة" بقيادة كندية، وهو مؤسسة مالية جديدة متعددة الأطراف تهدف إلى المساعدة في تمويل مشاريع الدفاع والأمن والمرونة بين الدول المشاركة. وتم الكشف عن هذه المبادرة إلى جانب مساعٍ أوسع من جانب أعضاء الناتو لتعزيز القدرات الدفاعية مع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، وسعي الحكومات الأوروبية لتوسيع قدراتها الصناعية الخاصة.
وبالنظر إلى هذه الخطوات مجتمعة مع انضمام كندا إلى أداة (SAFE)، فإنها تعميق كبير لعلاقة كندا الأمنية مع أوروبا، في وقت تسعى فيه أوتاوا لتنويع شراكاتها الدولية وسط حالة من عدم اليقين المتزايد بشأن علاقتها مع واشنطن.
ويأتي ذلك مع توجه كارني وتصريحاته المتعلقة بالنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، ويقول إنه شهد تصدعاً، ما يتطلب عمل القوى المتوسطة معاً للحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد.
تقليص الاعتماد على الاقتصاد الأمريكي
ويُعيد هذا التحول نحو أوروبا أيضاً تشكيل الاستراتيجية الاقتصادية لكندا، إذ تتطلع أوتاوا إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة بعد أشهر من النزاعات الجمركية والتوترات السياسية.
وبناء عليه تعهدت حكومة كارني بمضاعفة صادرات كندا غير الموجهة للولايات المتحدة بحلول 2035، كجزء من جهد أوسع لتنويع العلاقات التجارية للبلاد وجعل اقتصادها أقل عرضة للاضطرابات الناتجة عن الاعتماد على سوق واحدة.
اتفاقية التجارة الرقمية
وتركز هذا الجهد بشكل متزايد على أوروبا؛ ففي مارس (آذار) الماضي أطلقت كندا والاتحاد الأوروبي "اتفاقية التجارة الرقمية بين الاتحاد الأوروبي وكندا"، المصممة لتعميق التعاون في التجارة الرقمية، وحوكمة البيانات، والتكنولوجيات الناشئة، مع البناء على "الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة"، والتي ساهمت بشكل كبير في توسيع نطاق التجارة بين الشريكين منذ تطبيقها المؤقت في 2017.
ولم يتم الاكتفاء بهذا فقط، بل أصبح الاتحاد الأوروبي وجهة متنامية للمصدرين الكنديين مع تكيف الشركات مع أنماط التجارة الجديدة، في حين أن مبادرات مثل "آلية تعديل حدود الكربون" التابعة للاتحاد تشجع على تقارب وثيق في السياسات المناخية والصناعية. وإلى جانب التعاون الأعمق في مجال الدفاع ودخول كندا إلى المؤسسات الثقافية الأوروبية، تعكس الأجندة الاقتصادية شراكة واسعة القاعدة بشكل متزايد تشمل قطاعات متعددة.
وفي تصريح لشبكة نيوزويك، يقول متحدث باسم الاتحاد الأوروبي: "إن الروابط بين أوروبا وكندا قوية، وتزداد قوة. لدينا شراكة متينة تقوم على الصداقة بين شعوبنا والقيم الأساسية التي نتشاركها، فضلاً عن العلاقات الاقتصادية القوية والمصالح المشتركة".
وتضع حكومة كارني استراتيجية لدمج البلاد بشكل متزايد داخل المؤسسات الأوروبية، في إشارة إلى أن أوتاوا ترى مستقبلها قائماً على شراكات أقوى عبر المحيط الأطلسي في مواجهة علاقات متقلبة مع أقرب جيرانها وهي الولايات المتحدة الأمريكية.