مصر تطوي صفحة صندوق النقد.. ماذا بعد؟
مصر تطوي صفحة صندوق النقد.. ماذا بعد؟
الخميس 16 يوليو 2026 / 12:41
خاص 24..

مصر تطوي صفحة صندوق النقد.. ماذا بعد؟

بعد نصف قرن من الدعم المالي وبرامج الإصلاح الممتدة، تستعد مصر لدخول حقبة جديدة بعيداً عن تمويلات وشروط صندوق النقد الدولي، بالتزامن مع الإعلان عن إعداد برنامج وطني شامل يقود المرحلة التالية للاقتصاد المصري.

البرنامج الذي أكد الرئيس عبدالفتاح السيسي أنه سيكون "مصرياً خالصاً"، سيبدأ تنفيذه رسمياً في مطلع 2027 عقب انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي المرتبط بشروط صندوق النقد، التي شملت تحرير سعر الصرف وتشديد السياسات النقدية إضافة إلى العديد من الإصلاحات المالية والهيكلية.

نصف قرن من العلاقة مع الصندوق

انضمت مصر إلى عضوية صندوق النقد الدولي في ديسمبر (كانون الأول) 1945، لكنها لجأت إلى برامجه التمويلية على فترات متباعدة، وكان أول اتفاق لها مع الصندوق بين عامي 1977 و1978، قبل أن تتكرر برامج الدعم خلال تسعينيات القرن الماضي، ثم تتوسع العلاقة خلال العقد الأخير مع إبرام برنامج تمويل بقيمة 12 مليار دولار عام 2016، تلاه عدد من الترتيبات التمويلية لمواجهة تداعيات الأزمات العالمية، وصولاً إلى البرنامج الحالي الذي بدأ في 2022 وارتفعت قيمته إلى 8 مليارات دولار في 2024، إضافة إلى 1.3 مليار دولار في 2025. 

وشكّل صندوق النقد الدولي بذلك جزءاً رئيسياً من مسار الإصلاح الاقتصادي المصري خلال العقود الماضية، قبل إعلان القاهرة الانتقال إلى برنامج اقتصادي وطني جديد. ويطرح هذا التحول تساؤلات حول المتطلبات الاقتصادية التي تحتاجها مصر لضمان نجاح مرحلة ما بعد صندوق النقد، وقدرتها على تمويل احتياجاتها عبر مصادر نمو أكثر استدامة.

تحولات السياسة الاقتصادية المصرية

يوضح محمد فؤاد، عضو مجلس النواب المصري ورئيس مركز العدل لدراسات السياسة العامة، في حديثه لـ 24، أن "مصر تحتاج إلى برنامج اقتصادي وطني واضح ومستقر، له أولويات محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس وجدول زمني للتنفيذ، مضيفاً أن الاستغناء عن برامج صندوق النقد لا يتحقق بمجرد انتهاء الاتفاقات الحالية، وإنما بقدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته بصورة أكثر استدامة من خلال زيادة الإنتاج والاستثمار والتصدير والادخار المحلي".

"المطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمات والاعتماد على التمويل الخارجي، إلى بناء مصادر نمو ذاتية قادرة على دعم الاقتصاد على المدى الطويل"، بحسب محمد فؤاد.

قطاعات الإصلاح والبدائل الاستثمارية

وفيما يتعلق بالإصلاحات الهيكلية التي يجب تنفيذها لتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي وتعزيز موارد النقد الأجنبي، يشير فؤاد إلى "أن الأولوية يجب أن تكون لإصلاحات الطاقة، وتعميق الصناعة، وزيادة الصادرات، وتمكين القطاع الخاص، وتخارج الدولة من الأنشطة غير الاستراتيجية، إضافة إلى توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد النقد الأجنبي".

في الوقت نفسه، شدّد النائب البرلماني على أن ⁠"البديل الحقيقي للإجراءات التقشفية هو تحقيق نمو إنتاجي يقوده القطاع الخاص ويعتمد على التوسع في الصناعة، التصدير، السياحة، الزراعة الحديثة والخدمات القابلة للتصدير"، لافتاً إلى أن "النمو المستدام لا يأتي من خفض الإنفاق بقدر ما يأتي من توسيع القاعدة الإنتاجية، وزيادة الإيرادات الناتجة عن النشاط الاقتصادي".

خاص 24| الذهب يختبر ثقة المصريين.. هل يصمد كملاذ آمن للمدخرات؟ - موقع 24بعد سنوات طويلة من اعتباره الملاذ الأكثر أماناً لمدخرات المصريين، يبدو أن الارتفاع غير المسبوق في أسعار الذهب في عام 2026، والذي أعقبه انخفاض بأكثر من 22% خلال الأشهر الأخيرة، سيقود المشهد الاقتصادي لتحولات كبرى، لا سيما بشأن البدائل الاستثمارية التي قد تحمي تلك المدخرات بشكل أكبر.

تحديات البرنامج الاقتصادي الجديد

بدوره، يرى أبوبكر الديب، مستشار المركز العربي للدراسات وخبير العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي، في حديثه لـ 24، أن البرنامج الاقتصادي المصري الجديد "سيواجه تحديات صعبة، لأن البيئة الاقتصادية العالمية ما زالت تتسم بدرجة كبيرة من عدم اليقين، نتيجة استمرار التوترات الجيوسياسية، وتقلب أسعار الطاقة والسلع الأساسية، واضطراب سلاسل الإمداد، وتغير السياسات التجارية في العديد من الاقتصادات الكبرى".

و"تفرض هذه العوامل على أي برنامج اقتصادي، أن يكون مرناً وقادراً على التعامل مع المتغيرات الخارجية، دون أن يفقد أهدافه الأساسية"، بحسب الديب.

ويشير إلى أن "الحكم الحقيقي على نجاح البرنامج خلال سنواته الأولى لن يكون فقط من خلال معدلات النمو، وإنما من خلال ارتفاع حجم الإنتاج الصناعي والزراعي، وزيادة الصادرات غير البترولية، وتحسن تنافسية الاقتصاد المصري، وزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، واستقرار سعر الصرف بصورة تعكس قوة الاقتصاد الحقيقي وليس التدخلات المؤقتة".

وفي نهاية حديثه، شدّد أبوبكر الديب على أن "مصر تمتلك المقومات التي تؤهلها لأن تصبح مركزاً اقتصادياً وصناعياً ولوجستياً مؤثراً في محيطها الإقليمي، لكنها بحاجة لنجاح البرنامج الوطني الجديد في تحويل هذه الإمكانات الكبيرة إلى طاقات إنتاجية مستدامة".