جانب من الحرائق في كندا (أ ف ب)
السبت 18 يوليو 2026 / 11:15
لم تعد الضغوط التي تواجه الاقتصاد الأمريكي مقتصرة على مؤشرات التضخم أو السياسات النقدية فحسب، بل باتت الكوارث المناخية المتزامنة تدفع بظلالها الثقيلة على الأسواق، مهددة بإشعال حرب تجارية جديدة مع كندا التي تعد أقرب الشركاء الاقتصاديين للولايات المتحدة.
بين سماء مليئة بالدخان في الشرق، وفيضانات تجتاح الجنوب، وألسنة النيران تلتهم الغرب، يجد صناع القرار أنفسهم أمام فاتورة باهظة ومفتوحة لـ "الأحداث البيئية " التي بدأت تترجم سريعاً إلى خسائر مالية وضغوط حمائية.
تحويل الدخان إلى فاتورة تجارية
وفي خطوة تعكس تحول الأزمات البيئية إلى أدوات ضغط اقتصادي مباشر، يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على السلع الكندية، كإجراء عقابي لتعويض ما وصفه بـ "التكلفة التي لا يمكن إحصاؤها" الناتجة عن وصول دخان حرائق الغابات الكندية إلى العمق الأمريكي، وفق وكالة رويترز.
البيت الأبيض يعتبر أن ما تشهده كندا "إهمال متعمد في صيانة الغابات"، وهو ظاهرة سنوية تكلف الاقتصاد الأمريكي مليارات الدولارات، ما يبرر إضافة هذه التكاليف إلى الرسوم الجمركية التي فرضها بالفعل على واردات كندية رئيسية منذ تولي ترامب منصبه عام 2025.
لكن في المقابل، ترفض الحكومة الكندية هذه الاتهامات، إذ تؤكد وزيرة إدارة الطوارئ، إلينور أولشيفسكي، أن بلادها ضخت استثمارات ضخمة بلغت 8.56 مليار دولار أمريكي منذ 2020 في استدامة الغابات والوقاية من الحرائق، معتبرة أن الأزمة ناتجة عن تغير مناخي عالمي تفرض ظروفاً جافة ودافئة غير مسبوقة.
ويهدد الخلاف المتصاعد بين ترامب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، برفع تكلفة السلع المتبادلة بين البلدين، ما ينعكس سريعاً على أسعار المستهلكين داخل الولايات المتحدة، ويزيد من حدة التضخم المستورد.
خسائر اقتصادية خفية
لا تتوقف الخسائر عند حدود السلع وحركة التجارة، بل تمتد لتضرب إنتاجية العمالة والاستهلاك المحلي. وذلك بعد تحذيرات السلطات أكثر من 100 مليون أمريكي (نحو ثلث السكان) بالبقاء داخل منازلهم بسبب خطورة جودة الهواء، ما يعني شللاً جزئياً في قطاعات الخدمات، والترفيه، والأنشطة الخارجية.
وفي شيكاغو اضطر المسؤولون إلى إغلاق المرافق العامة ونقل الأنشطة إلى الداخل، ما وضع ضغوطاً إضافية على شبكات الطاقة مع تفعيل "مراكز التبريد" لمواجهة حرارة تلامس 32 درجة مئوية، في ظل عجز 4% من الأسر عن تأمين أجهزة تكييف الهواء.
وتوضح البيانات المالية والميدانية أن وتيرة الكوارث الحالية تتجاوز بكثير القدرات الاستيعابية للموازنات المحلية المخصصة للطوارئ.
والتهمت النيران 3.72 مليون فدان حتى الآن، متجاوزة متوسط الـ10 سنوات البالغ 2.7 مليون فدان. وهذا الاستباق الزمني للحرائق التي تصل عادة ذروتها في أغسطس (آب) يجبر السلطات على إنفاق مالي مبكر وضخم على المعدات والوقود اللوجستي.
وتتوقع هيئة الأرصاد الجوية الوطنية أن تبدأ الأمطار في الانحسار في تكساس يوم الجمعة، مع توقع طقس حار وجاف في الأسبوع المقبل.
لكن منطقة "هيل كاونتري" في الولاية عانت لليوم الثالث على التوالي من فيضانات مفاجئة وكارثية، إذ هطلت أمطار غزيرة زادت عن 27 بوصة في بعض المناطق منذ يوم الثلاثاء، وفق هيئة الأرصاد الجوية الوطنية.
وحث حاكم تكساس غريغ أبوت، السكان على البقاء يقظين بشأن مخاطر مياه الفيضانات. وفي مؤتمر صحافي أمس الجمعة، قال إنه حتى لو أسوأ ما في المطر قد مر، فإن "مناسيب المياه في الأنهار ستستمر في الارتفاع". ويتوقع الأرصاد أن تصل بعض الأنهار الرئيسية إلى ذروة ارتفاعها خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وتثبت هذه الأزمة أن التغير المناخي لم يعد مجرد قضية بيئية فقط، بل تمثل مخاطر مالية كبرى تضرب الموازنات العامة الأمريكية، وتعرقل سلاسل الإمداد، وتدفع نحو سياسات حمائية قد تزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي الأمريكي.
كم خسرت أمريكا في 2025؟
وفق البيانات الإحصائية والتحليلية الشاملة لعام 2025 الصادرة عن مراكز تتبع الكوارث المناخية وخبراء الإحصاء المناخي، تكبّد الاقتصاد الأمريكي خسائر ضخمة ومباشرة جراء الظواهر الجوية المتطرفة.
وبلغت التكلفة الإجمالية المباشرة للكوارث المناخية والبيئية في الولايات المتحدة عام 2025 نحو 115 مليار دولار أمريكي، وشهد العام الماضي تسجيل 23 كارثة كبرى تجاوزت خسائر كل منها حاجز المليار دولار، وهو ثالث أعلى معدل تاريخي لتكرار الكوارث المليارية بعد عامي 2023 و 2024.