جانب من جنازة المرشد الإيراني علي خامئني (رويترز)
الأحد 19 يوليو 2026 / 11:04
بينما كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، يسير بخطى ثقيلة إلى جانب نعش المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، في العاصمة طهران، لم تكن الهتافات المدوّية الصادرة عن الحشود في الجنازة رثاء للمرشد الراحل، بل سهاماً موجّهة إليه مباشرة وبصوت واحد: "الموت للمساوم".
ولم يكن المشهد بأقل وطأة على بعد مسافة قصيرة من ذلك الموقع، إذ وجد وزير الخارجية عباس عراقجي، كبير الدبلوماسيين الإيرانيين ومهندس اتفاق وقف إطلاق النار الأخير مع إدارة ترامب، نفسه مجبراً على الفرار ذعراً من مراسم الجنازة، بعد أن رشقته مجموعات غاضبة بالحجارة، وسط سيل من الهتافات التي تتهمه بـ "الخيانة وبيع القضية".
"الانقلاب الناعم" ونظريات المؤامرة
وبحسب تقرير لشبكة "سي إن إن" الأمريكية، فإن هذا العداء العلني الموجه ضد كبار مسؤولي الدولة خلال الجنازة يعكس نظرية مؤامرة بدأت تتجذر وتكتسب زخماً متسارعاً داخل الفصائل الأكثر راديكالية في إيران منذ أشهر.
وتتلخص هذه النظرية في أن قادة إيران في زمن الحرب، أولئك الذين تفاوضوا ووقعوا على الاتفاق الأخير مع واشنطن، يقودون "انقلاباً ناعماً" ضد ركائز الدولة ومبادئها، ويأتي هذا الاتهام في وقت يظل فيه المرشد الجديد غائباً عن الأنظار، وهو غياب يرجعه البعض إلى مخاوف أمنية على حياته، بينما يلمح آخرون إلى عجز جسدي يمنعه من الحركة أو أداء مهامه.
وتعتقد الفصائل المتشددة، التي سجلت حضوراً حاشداً وطاغياً في الجنازة، أنه بدلاً من السعي للانتقام لمقتل علي خامنئي، اختار المسؤولون الحاليون الاستسلام وتوقيع اتفاق يتحدى بشكل مباشر أوامر المرشد الجديد مجتبى خامنئي. ومع ذلك، يظل مجتبى متوارياً عن الأنظار، دون أن يخاطب الأمة مباشرة أو يفرض سلطته بشكل علني وملموس، حتى في الوقت الذي تدير فيه الحكومة البلاد وتتفاوض باسمه.
وفي هذا السياق، يتهم المتشددون القيادة السياسية الظاهرة التي تدير دفة البلاد وتمثلها في الخارج في ظل اختفاء المرشد بالتآمر لتعزيز نفوذها عبر تعطيل عمل البرلمان، وتجاوز الخطوط الحمراء في المفاوضات، ومحاولة تفريق مسيرات الشوارع الليلية التي باتت تشكل خزان القوة الحركية للأصوليين.
وقبل أيام من الجنازة، أطلق النائب الراديكالي الصريح، محمود نبويان، تحذيراً مدوياً عبر منصة "إكس" قائلًا: "تحذير لشعب إيران: هل هناك انقلاب في الطريق؟!". وعاد بعد أيام ليكتب بالتزامن مع مراسم التشييع "في هذه اللحظات من وداع خامئني، نرفع راية الانتقام لدمائه ونقف بحزم ضد الانقلاب".
جبهة ما بعد الحرب
في ظل غياب مجتبى خامنئي عن المشهد العام، برزت ثلاثة أسماء كوجوه رئيسية تقود المرحلة الانتقالية في إيران ما بعد الحرب: كبير المفاوضين ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، والرئيس مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي.
وفي تحليل لهذا المشهد، أوضح الخبير في الشؤون الإيرانية ومؤلف كتاب "ماذا يريد الإيرانيون" آرش عزيزي، لشبكة سي إن إن، أن المتشددين الغاضبين من الأداء السياسي الحالي، وجدوا أنفسهم معزولين وغير قادرين على الوصول إلى المرشد الأعلى الجديد، فوجهوا غضبهم نحو هذه الإدارة واتهموها بالتآمر للانقلاب.
وأضاف عزيزي "غياب مجتبى المستمر يعني أن المتشددين لا يملكون سبيلاً للوصول إليه، ويعني أيضاً أن قاليباف وحلفاءه هم المسؤولون فعلياً عن إدارة البلاد وتسيير شؤونها وبناءً على ذلك، اتهم المتشددون الأصوليون قاليباف وبزشكيان بالتآمر لشن انقلاب "ضد مجتبى".
طبول الحرب تدق مجدداً
ورغم الدعوات الرسمية المتكررة للوحدة الوطنية في زمن الحرب، تحولت الجنازة المهيبة التي استمرت أسبوعاً كاملاً لتشييع خامنئي إلى منصة استعراض قوة لأشد التيارات راديكالية في البلاد. واستغل هؤلاء المناسبة لتضخيم المطالب بـ "الانتقام الشامل"، مجددين دعوتهم لفتح مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن، ومعلنين رفضهم المطلق لأي اتفاق يُبرم مع إدارة ترامب.
ويبدو أن رغبتهم بدأت تتحقق على أرض الواقع، إذ انهار اتفاق وقف إطلاق النار الهش بين طهران وواشنطن هذا الأسبوع، بعد أن نفذ الحرس الثوري هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز لفرض سيطرته على الممر المائي الاستراتيجي، ما استدعى ضربات انتقامية أمريكية سريعة، فجرت بدورها موجة مطالب جديدة من المتشددين لإلغاء أي تفاهمات تهدئة بشكل نهائي.
وفي الأسابيع التي سبقت هذه التطورات الميدانية، صب المتشددون غضبهم علناً على الوجوه السياسية. وخلال حفل ديني، وجه محمد علي بخشي، وهو منشد ديني مقرب من الأجهزة الأمنية، تهديداً مباشراً وصادماً للرئيس بزشكيان قائلاً: "يا سيادة الرئيس، إذا لم تتحقق شروط القائد، فسنكون نحن والنصل وحنجرتك.. سوف نجعل حياتك جحيماً".
وفي المقابل، يقع محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان والمفاوض الرئيسي، تحت مجهر الرقابة الصارمة من قبل التيار الراديكالي. وقاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري ذو الخبرة السياسية العميقة، مكنته مؤهلاته من التقدم لملء الفراغ وإدارة الأزمة خلال الحرب، ليصبح بمثابة "المشغّل الفعلي" للنظام والشخصية المقبولة لدى أطراف واسعة.
وهذا الصعود أثار حفيظة البرلماني المتشدد كامران غضنفري، الذي قال في بيان مصور مطلع يوليو(تموز)، منتقداً المجلس الذي يدير الشؤون الحساسة للبلاد: "إنهم يحاولون تضخيم دور المجلس الأعلى للأمن القومي مع تقليص دور المرشد والبرلمان. هذا هو الانقلاب السياسي الذي صمموه وينفذونه خطوة بخطوة".
معركة تهميش "السوبر ثوريين"
ولم تتأخر الدولة في الرد، ففي يوم الثلاثاء الماضي، أُطيح بالنائب المتشدد محمود نبويان أحد أبرز الأصوات المحذرة من "الانقلاب" والمناهضة للاتفاق من منصبه في لجنة الأمن الوطني والسياسة الخارجية بالبرلمان، برفقة مشرع آخر يشاركه التوجهات ذاتها.
وكان نبويان، الذي شارك سابقاً ضمن الوفد المفاوض قبل أن ينقلب على المحادثات ويسعى لتعطيلها عبر تسريب نصوص المسودات للإعلام قبل توقيعها الشهر الماضي، قد زعم أن الفريق المفاوض يتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها المرشد.
ويمثل نبويان تيار "جبهة ثبات الثورة الإسلامية" والمعروفة باسم "جبهه پايداري"، الذين يصفهم المراقبون بـ "السوبر ثوريين"، إذ يرون أنفسهم الأوصياء الحصريين على قيم ثورة 1979 التي أطاحت بشاه إيران رضا بهلوي.
ويرى خبراء أن القيادة الحالية في إيران تسعى جاهدة لتحجيم هذا التيار. وفي هذا الصدد، يقول حميد رضا عزيزي، الزميل الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية لشبكة سي إن إن: "نحن نرى قاليباف يمارس نفوذه بوضوح لتهميش هذه العناصر المتشددة. إنهم يمثلون كلفة سياسية باهظة للنظام ويقودون الصراعات إلى العلن، وهو أمر لا يحتمله النظام في ظل الأوضاع الراهنة غير المستقرة".
وعلى الرغم من أن أعداد هؤلاء الراديكاليين تبدو صغيرة، إلا أنهم يهيمنون على مفاصل ومناصب مؤثرة في البرلمان وهيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، والتي شنت بدورها حملات إعلامية موجهة ضد الرئيس بزشكيان.
وعلى مدار أشهر الحرب والمساعي الدبلوماسية، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران مراراً بأنها "منقسمة بشكل خطير"، معتبراً أن الخلافات الداخلية هي العائق الأساسي أمام التوصل لأي اتفاق مستدام.