مقر البنك المركزي المصري (رويترز)
مقر البنك المركزي المصري (رويترز)
الإثنين 20 يوليو 2026 / 17:07

1.45 مليار دولار "أموال ساخنة" من مصر.. المرونة السعرية تمتص الصدمة

تكشف أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن البورصة المصرية عن تسجيل تعاملات المستثمرين الأجانب والعرب في أذون الخزانة المحلية المعروفة بـ "الأموال الساخنة"، صافي خروج بنحو 1.45 مليار دولار خلال الأسبوع الماضي، في خطوة تعكس تأثر التدفقات الاستثمارية بالتحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وفي سياق متصل، تظهر بيانات البنك المركزي المصري أن صافي الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي سجل 22.89 مليار دولار بنهاية مايو (أيار) الماضي، مقارنة بـ 21.33  مليار دولار في أبريل (نيسان) الماضي، أي بزيادة نحو 7%.

دوافع المخاوف الجيوسياسية 

تأتي موجة البيع الجزئي الأخيرة من بعض المستثمرين مدفوعة بالتصاعد المتزايد للمخاطر الجيوسياسية، ولا سيما مع تجدد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتخوفات المتصلة بإعادة إغلاق مضيق هرمز وما يحمله ذلك من سيناريوهات لارتفاع أسعار النفط عالمياً.

وتُعيد هذه التحركات إلى الأذهان الموجة الأكثر قوة التي شهدها الشهر الأول من التوترات الأمريكية، الإسرائيلية الإيرانية، إذ تظهر بيانات البنك المركزي خروجاً جزئياً للأجانب بقيمة نحو 15 مليار دولار في مارس (آذار) الماضي، في أعلى موجة بيع تشهدها الأسواق منذ اندلاع حرب روسيا وأوكرانيا عام 2022.

الفارق بين "الأصول الأجنبية" و"الاحتياطي النقدي"

في تحليل للآلية الاقتصادية التي تُدار بها هذه التدفقات، يوضح خبير أسواق المال محمد ماهر قائلاً: "تُحسب الأموال الساخنة ضمن التدفقات الرأسمالية وتنعكس بالدرجة الأولى على صافي الأصول الأجنبية وسعر الصرف، بينما يُحتفظ بالاحتياطي النقدي بمعزل تام عنها لتفادي أي صدمات مفاجئة".

وتُعبر الأصول الأجنبية عن الفارق بين ما تملكه البنوك التجارية والبنك المركزي من أصول بالعملة الأجنبية وما عليها من التزامات للغير، وبالتالي يتأثر حجمها مباشرة بحركة دخول وخروج الاستثمارات في أذون وسندات الخزانة.

أما الاحتياطي النقدي الرسمي، فهو بمثابة "الغطاء الاستراتيجي" المحفوظ لدى البنك المركزي، والمخصص لتغطية الواردات الأساسية وسداد الديون السيادية والالتزامات الحتمية للدولة. وواصل هذا الاحتياطي تسجيل مستويات قياسية، حيث أعلن البنك المركزي ارتفاعه إلى 55.07  مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي، مقارنة بـ 53.13  مليار دولار بنهاية مايو(أيار)، بزيادة 1.94 مليار دولار.

كيف يمتص السعر المرن موجات التخارج؟

وعن آلية إدارة التخارج دون حرق الاحتياطي الرسمي، يشير ماهر إلى أنه عندما يقرر المستثمر الأجنبي التخارج، فإنه يبيع أذون الخزانة بالجنيه ثم يطلب تحويل حصيلته إلى الدولار عبر البنوك التجارية (من خلال آلية "الإنتربنك")، ما يشكل ضغطاً مؤقتاً على السيولة الدولارية للبنوك التجارية ويقلل من صافي أصولها الأجنبية.

ويضيف ماهر أن "إدارة هذه الأزمة تتكفل بها سياسة سعر الصرف المرن، إذ يمتص تراجع الجنيه جزءاً كبيراً من الضغط، إذ يخرج المستثمر بقيمة دولارية أقل مقارنة بالقيمة التي دخل بها، ما يحد من استنزاف السيولة".

  • مثال توضيحي: لو استثمر أجنبي 1000  دولار عند سعر صرف 48.5 جنيه، ثم قرر الخروج وسعر الصرف 51.5  جنيه، سيستلم فقط 920  دولاراً. ولهذا السبب، يفضل جانب كبير من المستثمرين البقاء والاستمرار للاستفادة من عائد الفائدة لحين استقرار الأوضاع والخروج بنفس القيمة الدولارية الأصلية.

البنك المركزي المصري يُثبّت أسعار الفائدة الأساسية - موقع 24قررت البنك المركزي المصري، من خلال لجنة السياسة النقدية، خلال اجتماعها المنعقد، اليوم الخميس، 21 مايو (أيار) 2026، الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير، في خطوة تعكس متابعة تطورات التضخم والأوضاع الاقتصادية العالمية.

فاتورة النفط وضغطها على الجنيه

على جانب آخر، يُشكل شريان الطاقة أحد أبرز العوامل المؤثرة على سعر الصرف في مصر حالياً. ويوضح خبير الاقتصاد إيهاب سعيد، المعادلة الطردية بين أسعار النفط والدولار في السوق المصرية، مشيراً إلى أن فاتورة استيراد المنتجات البترولية تضاعفت من 1.2 مليار دولار شهرياً إلى نحو 2.5 مليار دولاربعد اشتعال التوترات الإيرانية، ما زاد الطلب المحلي على العملة الصعبة لتغطية الفاتورة الاستيرادية.

ويؤكد سعيد أن اعتماد البنك المركزي لسياسة سعر الصرف المرن وفقاً لآليتي العرض والطلب تجنباً لاستنزاف الاحتياطي النقدي عبر التثبيت الإداري، خلق ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بين أسعار النفط وسعر الدولار. ويشرح "من الطبيعي أن يتحرك الجنيه خلال الفترة الحالية وفق تحركات أسعار النفط، كونه أصبح المكون الأكبر للفاتورة الاستيرادية لمصر، وسيظل هذا الارتباط قائماً حتى استقرار الأوضاع في المنطقة".

وتأتي هذه التحليلات بالتوازي مع تجاوز أسعار خام "برنت" حاجز 90 دولاراً للبرميل لأول مرة منذ فترة التهدئة المؤقتة بين واشنطن وطهران في يونيو الماضي.

وينعكس ذلك على أسعار الصرف المحلية، إذ سجل الدولار مقابل الجنيه في البنك الأهلي المصري (أكبر البنوك الحكومية) نحو 51.17  جنيه للبيع و51.07  جنيه للشراء، مُسجلاً ارتفاعاً قرابة 8% أمام الجنيه المصري منذ نهاية يونيو (حزيران) الماضي.