جينا رينهارت (أ ف ب)
الجمعة 24 يوليو 2026 / 15:59
تحولت منافسات السباحة في دورة ألعاب الكومنولث في غلاسغو من ساحة للتنافس الرياضي فقط إلى اختبار اقتصادي لنظام حوافز غير مسبوق، بعدما خصصت جينا رينهارت، رئيسة شركة هانكوك بروسبكتينغ وأثرى شخص في أستراليا، مكافآت مالية للسباحين الأستراليين ترتبط مباشرة بالميداليات والأرقام القياسية العالمية. والتي تتصدر قائمة أثرياء أستراليا في 2026 بثروة تقدر بنحو 25 مليار دولار أمريكي، معظمها من استثمارات التعدين وخام الحديد.
وبموجب البرنامج، يحصل الفائز بذهبية فردية على 20 ألف دولار أسترالي، مقابل 15 ألفاً للفضية و10 آلاف للبرونزية. أما سباحو التتابع، فتتراوح حصة كل منهم بين 2500 وخمسة آلاف دولار وفق لون الميدالية، بينما تُضاف مكافأة مستقلة قدرها 30 ألف دولار أسترالي عند تحطيم رقم قياسي عالمي. وبذلك يمكن أن ترتفع حصيلة السباح الفائز بذهبية مقرونة برقم عالمي إلى 50 ألف دولار أسترالي، أي نحو 35 ألف دولار أمريكي.

لا تكتفي الحزمة بمكافأة النتيجة، بل ترفع قيمة الأداء الاستثنائي بدرجة واضحة، فمكافأة الرقم العالمي وحدها تزيد بـ 50% على مكافأة الذهبية الأساسية، وتمثل 60% من الحد الأقصى للعائد الممكن في سباق واحد. كما تعادل الحزمة الكاملة 2.5 ضعف قيمة الذهبية من دون رقم قياسي. ويعني ذلك أن تصميم البرنامج يركز على إنتاج إنجاز قابل للتسويق عالمياً، وليس مجرد توسيع رصيد الميداليات الأسترالية.
ويوازن هذا التصميم بين تحفيز الرياضي والسيطرة على التكلفة بالنسبة للممول. فالميداليات، خصوصاً في ظل التفوق الأسترالي التقليدي في السباحة بدول الكومنولث، تمثل التزاماً مالياً متوقعاً، بينما تظل الأرقام العالمية أحداثاً نادرة، ومن ثم لا تُدفع المكافأة الأعلى إلا مقابل إنجاز يحقق لرينهارت وشركتها عائداً إعلامياً وسمعة دولية قد تتجاوز قيمتهما تكلفة الجائزة نفسها. وهذه معادلة شائعة في اقتصاد الرعاية الرياضية: ربط الجزء الأكبر من الإنفاق بحدث استثنائي ذي قدرة عالية على جذب التغطية الإعلامية.
وتكشف المقارنة مع الجوائز الرسمية في السباحة العالمية حجم الفجوة التي يحاول التمويل الخاص سدها. فقد وزع الاتحاد الدولي للألعاب المائية 4.38 مليون دولار أمريكي على السباحين خلال بطولاته في 2025، بما يشمل كأس العالم وبطولة العالم في سنغافورة، فيما بلغت جائزة ذهبية بطولة العالم 20 ألف دولار أمريكي. وعلى هذا الأساس، تزيد مكافأة رينهارت القصوى البالغة نحو 35 ألف دولار أمريكي بنسبة 75% على جائزة ذهبية بطولة العالم، رغم أن ألعاب الكومنولث أدنى من بطولة العالم من حيث نطاق المشاركة الدولية.
ولا تعكس هذه المقارنة تضخماً في قيمة ميدالية الكومنولث بقدر ما تكشف ضعف السوق التجاري للسباحة. فالرياضة تنتج أبطالًا أولمبيين واهتماماً جماهيرياً موسمياً، لكنها لا توفر لمعظم ممارسيها عقوداً ورواتب منتظمة كتلك المتاحة في كرة القدم أو التنس أو الدوريات الاحترافية. لذلك تتحول المكافآت الخاصة إلى أداة لتعويض الرياضيين عن سنوات التدريب، وقصر المسيرة التنافسية، ومحدودية فرص تحقيق الدخل خارج البطولات الكبرى.
ويبرز كاميرون ماكيفوي مثالًا واضحاً على هذا الاختلال. فقد سجل الأسترالي 20.88 ثانية في سباق 50 متراً حرة خلال بطولة الصين المفتوحة في مارس(آذار) 2026، محطماً الرقم العالمي، لكنه أعرب لاحقاً عن استغرابه من عدم حصوله على مقابل مالي نظير الإنجاز. وسيكون ماكيفوي من أبرز المرشحين لذهبية جلاسجو، ما يمنحه فرصة لتحويل تفوقه الفني إلى عائد مالي مباشر هذه المرة.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل المنافسة التي تفرضها نماذج رياضية بديلة ومثيرة للجدل، مثل "الألعاب المعززة"، التي أعلنت مكافآت بمليون دولار لتحطيم أرقام عالمية في سباقات من بينها 50 متراً حرة، مع تبنيها قواعد تسمح باستخدام مواد محظورة في الرياضة التقليدية. والفارق الضخم بين مكافآت تلك المنافسات والعوائد المتاحة في البطولات المعترف بها دولياً يضع المؤسسات الرياضية أمام تحدٍّ اقتصادي وأخلاقي: كيف يمكن الحفاظ على الرياضيين داخل المنظومة التقليدية من دون تحسين نصيبهم من الإيرادات؟
ومن المتوقع أن تكون البطلة الأولمبية مولي أوكالاهان ضمن أكبر المستفيدين من البرنامج، نظراً إلى مشاركتها في أكثر من سباق فردي وفرصها في سباقات التتابع. ويمنح تعدد المشاركات أبرز السباحين ما يشبه "محفظة دخل" داخل البطولة، إذ يمكن تجميع مكافآت عدة بدل الاعتماد على نتيجة سباق واحد، وهو ما يرفع القيمة الاقتصادية للرياضي القادر على المنافسة في تخصصات متعددة.
ومع ذلك، يكشف البرنامج عن مشكلة هيكلية أخرى تتمثل في تفاوت الدعم بين الرياضات، وبين النجوم القادرين على حصد عدة ميداليات وزملائهم الأقل ظهوراً. فالاعتماد على ممول فردي قد يقدم حلًا سريعاً، لكنه لا يشكل بديلًا مستداماً عن نظام مؤسسي يضمن حداً أدنى من الدخل والتأمين والدعم المهني للرياضيين.
في المحصلة، لا تشتري رينهارت ميداليات بقدر ما تستثمر في قيمة رمزية تجمع بين الهوية الوطنية والتميز الرياضي والظهور الإعلامي. أما بالنسبة للسباحين، فتمثل المكافآت محاولة لإعادة تسعير إنجازات ظلت قيمتها المعنوية أعلى كثيراً من عائدها المالي. وسيقاس نجاح المبادرة، اقتصادياً، ليس فقط بعدد الشيكات التي ستُدفع في غلاسغو، بل بقدرتها على دفع الاتحادات والرعاة نحو نموذج أكثر استدامة وعدالة لتمويل أبطال الرياضات الأولمبية.