صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
الأربعاء 29 يوليو 2026 / 20:28
اختيار المنتج يبدأ قبل أن يبحث عنه المستهلك. إعلان يتكرر، توصية تتصدر الشاشة، وعرض يظهر في اللحظة المناسبة، ضمن سلسلة ترتبها الخوارزميات في سباق على جذب انتباه الإنسان.
يوضح سامي عبدالنور، خبير التقنية، لـ24، أن "اقتصاد الانتباه" يحول قدرة المنصات على جذب تركيز المستخدم والاحتفاظ به إلى مورد قابل للقياس والاستثمار والبيع للمعلنين. فالخدمة "قد تبدو مجانية، لكن المستخدم يدفع مقابلها من وقته، انتباهه، وبياناته السلوكية."
ويضيف أن "كل نقرة، بحث، مدة مشاهدة، وتوقف أمام منشور، تقدم مؤشرات عن اهتمامات المستخدم واستعداده لاتخاذ قرار، لتستخدمها المنصات في توجيه المحتوى والإعلانات الأكثر قدرة على جذبه ودفعه إلى التفاعل أو الشراء."
وتبرز ندرة الانتباه في مفارقة بين إنفاق إعلاني يتصاعد ووقت تركيز يتراجع. إذ تتوقع مجموعة "دنتسو" اليابانية العالمية للإعلان والتسويق والإعلام الرقمي، بلوغ الإنفاق الإعلاني العالمي 1.06 تريليون دولار خلال 2026، واستحواذ الإعلان الرقمي على 69% منه.
وفي المقابل، تظهر أبحاث غلوريا مارك، الأستاذة الفخرية في جامعة كاليفورنيا إيرفن، تراجع متوسط بقاء المستخدم على شاشة واحدة من دقيقتين ونصف الدقيقة عام 2004، إلى 75 ثانية في 2012، ثم 47 ثانية بين 2016 و2020.
الخوارزمية ترتب الظهور
تدفع المنافسة على هذا الوقت المحدود المعلنين إلى أدوات أكثر دقة. وتتوقع "دنتسو" أن يصبح 75% من الإنفاق الإعلاني مدفوعاً بالخوارزميات بحلول 2028، أي أن الخوارزميات ستؤثر في قرارات شراء الإعلانات، لا مشتريات الأفراد.
ويرى عبدالنور أن قرار الشراء يبقى بيد المستهلك، لكن الخوارزمية تشكل البيئة المحيطة به عبر ترتيب نتائج البحث، تكرار ظهور المنتجات، وإبراز التقييمات والخصومات.
ويلخص أثرها بقوله: "قد لا تقرر الخوارزمية ما إذا كنت ستشتري، لكنها تستطيع بدرجة كبيرة التأثير في سؤال: ممن ستشتري؟."
بين التأثير والتلاعب
تصف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "الأنماط التجارية المظلمة" بأنها ممارسات قد تقود المستهلك إلى مشتريات غير مقصودة، ومنها العد التنازلي المصطنع، والرسوم المخفية، ومصائد الاشتراك.
لكن جذب الانتباه لا يضمن الشراء. فقد خلصت مؤسسة أبحاث الإعلان "ARF"، بعد تحليل أربع حملات، إلى غياب علاقة مباشرة بين الانتباه وتحسن الوعي أو تذكر العلامة التجارية، إذ يتوقف الأثر على الوزن الإعلاني، مدى الوصول، والتكرار.
ويوضح عبدالنور أن نية الشراء تُقدّر بصورة احتمالية عبر البحث المتكرر، مقارنة الأسعار، قراءة التقييمات، زيارة صفحة المنتج وإضافته إلى سلة التسوق، لا مدة المشاهدة أو النقرات وحدهما.
من الانتباه إلى الصفقة
ولا يتوقف دور الذكاء الاصطناعي عند جذب انتباه المستهلك واقتراح المنتجات، بل يمتد إلى مقارنتها وإتمام شرائها. ففي يونيو (حزيران) 2026، أعلنت "فيزا" شراكة مع "أوبن إيه آي" لتمكين وكلاء الذكاء الاصطناعي من تنفيذ المعاملات ضمن حدود يحددها المستخدم.
الإمارات تنظّم الطريق
ومع اتساع النشاط الرقمي، تتصاعد الحاجة إلى حماية المستهلك وتنظيم الإعلان. إذ أظهر تقرير "الإمارات الرقمية 2023" بلوغ نسبة مستخدمي الإنترنت 99% من السكان، مع تنوع الاستخدام بين التواصل، العمل، البحث، التعلم، الترفيه، والتسوق.
ويمنح المرسوم بقانون اتحادي رقم 14 لسنة 2023 بشأن التجارة عبر وسائل التقنية الحديثة المستهلك حق قبول الحملات الترويجية أو رفضها، ويلزم التاجر بإعلان الأسعار، وتكاليف الخدمات اللوجستية، ووسائل الدفع، والشروط والأحكام، وتوفير وسائل دفع آمنة.
تصريح معلن
وأطلق مجلس الإمارات للإعلام في يوليو (تموز) 2025 "تصريح معلن" لتنظيم إعلانات الأفراد عبر منصات التواصل، مع إلزام المصرح له بإظهار رقم التصريح، النشر من الحساب المسجل فقط، والتحقق من هوية الجهة المعلنة.
وأعلنت الهيئة الوطنية للإعلام في يونيو (حزيران) 2026 إصدار أكثر من 15 ألف تصريح منذ إطلاق النظام.
وفي ظل هذه الضوابط، يؤكد عبدالنور ضرورة بقاء الإنسان مسؤولاً عن احتياجاته، ميزانيته، وأولوياته، على أن تعمل الخوارزمية داخل الحدود التي يضعها لها، "لا أن تتحول من أداة مساعدة إلى جهة تقرر نيابة عنه دون وعي أو رقابة."