تقدر قيمة سوق الأغذية المعاد تدويرها بنحو 66.8 مليار دولار (رويترز)
تقدر قيمة سوق الأغذية المعاد تدويرها بنحو 66.8 مليار دولار (رويترز)
الجمعة 31 يوليو 2026 / 20:33

ثروة خفية على المائدة.. بقايا الطعام تتحول إلى منجم استثماري عالمي

في الوقت الذي يُهدر فيه العالم ملايين الأطنان من الغذاء كل عام، تتجه شركات في دول عدة إلى التعامل مع بقايا الأغذية باعتبارها مورداً اقتصادياً لا نفايات يجب التخلص منها، لتصبح جزءاً من منظومة إنتاج أكثر كفاءة، تستهدف تقليل الهدر وتعظيم الاستفادة من الموارد الغذائية.

يقوم مفهوم الأغذية المعاد تدويرها على تحويل المنتجات الثانوية للصناعات الغذائية إلى مكونات تدخل في إنتاج أغذية جديدة أو مكملات غذائية ومنتجات وظيفية، بما يبقيها داخل دائرة الاستهلاك البشري بدلاً من تحولها إلى أعلاف أو مصدر للطاقة أو نفايات.

تقول الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس لـ"24" إن فرص نمو هذه الصناعة تختلف من دولة عربية إلى أخرى وفق طبيعة الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية، بما يتيح الاستفادة من المنتجات الثانوية وتوسيع التعاون العربي في استثمارها، مع مراعاة قابليتها للنقل والتخزين.

لماذا ينمو السوق؟

تقدر قيمة سوق الأغذية المعاد تدويرها بنحو 66.8 مليار دولار خلال 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى 125 مليار دولار بحلول 2035، وفق "رويترز". 

وتستحوذ أمريكا الشمالية على نحو 40% من السوق، بينما يتزايد الاهتمام بهذا القطاع في اليابان وكوريا الجنوبية، في وقت أصبحت فيه التجارة الإلكترونية إحدى القنوات الرئيسية لتسويق هذه المنتجات.

ويأتي هذا النمو استجابة لمشكلة عالمية متفاقمة، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو خمس الغذاء المنتج سنوياً يُفقد أو يُهدر قبل وصوله إلى المستهلك، وهو ما يتسبب في ما بين 8% و10% من الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة، أي ما يقارب خمسة أضعاف الانبعاثات الصادرة عن قطاع الطيران.

قيمة مضافة تدعمها التشريعات

يقوم مفهوم الأغذية المعاد تدويرها على إبقاء الطعام داخل دائرة الاستهلاك البشري لأطول فترة ممكنة، عبر تحويل بقايا ومخرجات التصنيع الغذائي، مثل لب العصائر وبقايا الحبوب ورواسب القهوة وبذور العنب، إلى مكونات تدخل في إنتاج أغذية ومكملات غذائية ومنتجات ذات قيمة مضافة، بدلاً من التخلص منها كنفايات.

وتساهم السياسات الحكومية في تسريع نمو هذا القطاع، حيث يضع الاتحاد الأوروبي أهدافاً ملزمة لخفض هدر الغذاء بحلول 2030، مع إعطاء الأولوية لإعادة توجيه الأغذية الصالحة للاستهلاك البشري وتحسين إدارة النفايات العضوية. 

وفي الوقت نفسه، تجد الشركات في إعادة تدوير الغذاء وسيلة لخفض تكاليف التخلص من المخلفات والاستفادة من موارد كانت تمثل عبئاً مالياً، وهو ما يشجع على تطوير منتجات جديدة قائمة على إعادة توظيف الفائض الغذائي.

تجارب تتوسع حول العالم

ومع توسع السوق، لم تعد تطبيقات إعادة تدوير الغذاء تنحصر في إنتاج أغذية جديدة، بل تدخل في تصنيع مكونات غذائية ومكملات غنية بالألياف ومضادات الأكسدة، والاستفادة من المخلفات الزراعية في صناعات أخرى، بما يعزز مرونة سلاسل الإمداد ويشجع الشركات على تطوير بدائل أكثر استدامة في ظل التقلبات التي تشهدها أسواق الغذاء العالمية.

وفي المنطقة العربية، برزت مبادرات تعكس هذا التوجه، من بينها مبادرة "نعمتي" في الكويت، التي نجحت في إنشاء منظومة لجمع فائض الأغذية من الفنادق وشركات الأغذية وجهات أخرى، وإعادة توزيعه على الأسر المحتاجة بدلاً من التخلص منه، في خطوة تجمع بين الحد من الهدر وتعزيز الأمن الغذائي.

هل تنجح التجربة عربياً؟

ورغم اتساع الفرص الاقتصادية، تؤكد الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس، في تصريحات خاصة لـ"24"، أن نجاح صناعة الأغذية المعاد تدويرها في المنطقة العربية لا يرتبط بتوافر التمويل أو التكنولوجيا فقط، بل يعتمد بالدرجة الأولى على ثقة المستهلك، مشيرة إلى أن تقبل هذه المنتجات يختلف من مجتمع إلى آخر، ما يجعل الشفافية في إعلان مكوناتها ومصدرها أمراً ضرورياً حتى لا تختلط فكرة إعادة التدوير بالغش التجاري.

الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس

وتؤكد أن التجارب العالمية نجحت لأنها قدمت إعادة التدوير باعتبارها وسيلة لتعظيم الاستفادة من الموارد وتقليل الهدر، لا خفض الجودة أو زيادة الأرباح، معتبرة أن تقبلها في الأسواق العربية يرتبط بتوعية المستهلك بطبيعة هذه المنتجات، والإفصاح عن مكوناتها، بما يضمن له حرية الاختيار.

وتضيف الخبيرة الاقتصادية أن فرص نمو هذه الصناعة تختلف من دولة إلى أخرى وفق طبيعة الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية، بما يتيح تطوير صناعات قائمة على الاستفادة من فائض الإنتاج بدلاً من التخلص منه.