الاتحاد الدولي لكرة القدم (رويترز)
السبت 1 أغسطس 2026 / 10:26
توجه الاتحاد الدولي لكرة القدم نحو إشراك مستثمرين من القطاع الخاص في أصوله التجارية، يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل اقتصاد اللعبة وحدود النفوذ المالي داخل مؤسساتها مستقبلاً. ووسط التباين في الآراء بين مؤيد ومعارض تراجع رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو عن المشروع أو تعديل هيكله وشروطه، بعدما أعلن أن الاتحاد ألغى خططه لبيع حصة في كأس العالم لمستثمرين من القطاع الخاص بعد ردود فعل سلبية واسعة النطاق.
وبينما يدافع "فيفا" عن خطته باعتبارها وسيلة لتعظيم الإيرادات وتمويل تطوير كرة القدم عالميًا، ترى اتحادات وخبراء أن إدخال رأس المال الخاص قد يهدد استقلالية القرار الرياضي ويثير مخاوف تتعلق بالحوكمة وتضارب المصالح.
ويتناول تحقيق 24 أبعاد المشروع اقتصاديًا وقانونيًا، ويعرض مواقف مؤيدة ومعارضة لتحديد ما إذا كانت الاستثمارات الجديدة تمثل أداة للنمو والاستدامة، أم تحولًا قد يعيد صياغة ملكية أهم أصول كرة القدم العالمية.

باتت العلاقة بين الرياضة والاستثمار واحدة من أكثر الملفات إثارة للنقاش، في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي تشهدها كرة القدم العالمية، خصوصاً مع توسع "فيفا" في تعظيم القيمة التجارية لبطولاته وحقوقه التسويقية، وظهور تساؤلات حول حدود الاستثمار الخارجي وتأثيره المحتمل على استقلالية القرار الرياضي.
وبينما يرى البعض أن الاستثمارات الجديدة تمثل فرصة لتعزيز موارد اللعبة وتطوير بنيتها التحتية، يرى آخرون أن دخول رؤوس الأموال الخاصة إلى ملكية بعض الأصول التجارية الكبرى قد يفرض تحديات تتعلق بالحوكمة والحفاظ على حياد كرة القدم.
وفي هذا الملف، يستعرض عدد من الخبراء والمتخصصين لـ24 رؤيتهم حول مستقبل العلاقة بين المال والرياضة، ومدى قدرة اللوائح الحالية على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية مبادئ اللعبة على النحو التالي:
سالم بهيان العامري: كرة القدم "لغة الشعوب"
أكد رئيس لجنة الانضباط السابق في اتحاد كرة القدم الإماراتي المستشار سالم بهيان العامري أهمية الحفاظ على استقلالية كرة القدم وإبعاد كبار المسؤولين وأصحاب النفوذ عن الرياضة، مشدداً على أن كرة القدم "لغة الشعوب" والوسيلة التي تقرب وجهات النظر بين الجميع، بغض النظر عن الفوز أو الخسارة.
وأوضح العامري، رداً على التساؤلات المتعلقة بتزايد الجوانب التجارية والاستثمارية في كرة القدم، أن قيمة اللعبة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي أو التنافسي فقط، بل تمتد إلى دورها في التقريب بين الشعوب وتعزيز التواصل، وهو ما يجعل الحفاظ على طبيعتها ورسالتها أمراً أساسياً.
وأشار في ختام تصريحاته إلى أهمية بقاء الرياضة مساحة تجمع مختلف الأطراف، مؤكداً أن كرة القدم تمتلك قدرة استثنائية على بناء جسور التواصل بين المجتمعات، وأن الحفاظ على هذه القيمة يتطلب استمرارها كمساحة للتقارب بعيداً عن أي عوامل قد تؤثر على رسالتها الأساسية.
محمد أميري: استثمارات "فيفا" لا تتعارض مع نجاح كرة القدم
قال عضو مجلس إدارة شركة الاستثمار السابق في نادي الوصل، محمد أميري، إن "تقييم أداء "فيفا" يجب أن يكون من خلال تحقيق التوازن بين رسالته الرياضية ودوره في تطوير صناعة كرة القدم عالميًا، مؤكدًا أن الاستثمار لم يعد عنصرًا منفصلًا عن اللعبة، بل أصبح أحد أهم أدوات تطويرها واستدامتها.
وأوضح: "كأس العالم 2026 تمثل نموذجًا واضحًا على ذلك، إذ نجح "فيفا" في تحقيق مكاسب استثمارية وتسويقية غير مسبوقة، إلى جانب تسجيل حضور جماهيري تاريخي، وهو ما يعكس نجاحًا كبيرًا في إدارة البطولة من الناحية الاقتصادية".
وأضاف: "رغم وجود بعض المباريات التي لم ترتقِ إلى المستوى الفني الذي كانت تتطلع إليه الجماهير، فإن تقييم البطولة لا يجب أن يقتصر على الجانب الفني فقط، لأن تنظيم حدث بهذا الحجم يتطلب أيضًا نجاحًا ماليًا وتسويقيًا يضمن استمرارية تطوير كرة القدم".
وأشار أميري إلى أن "فيفا"، بصفته الجهة المسؤولة عن إدارة اللعبة عالميًا، مطالب بتحقيق عوائد مالية من بطولاته، لأن هذه الإيرادات لا تذهب لتحقيق أرباح تجارية فقط، وإنما يعاد استثمارها في تطوير كرة القدم حول العالم، من خلال دعم الاتحادات الوطنية، وتمويل برامج تطوير اللاعبين، والبنية التحتية، والمشروعات الخاصة بالاتحادات القارية والمحلية.
وأردف: "قرار زيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم منح الفرصة لدول لم تكن تحظى سابقًا بإمكانية الوجود في البطولة، وهو ما وسّع قاعدة المشاركة العالمية، ومنح جماهير جديدة فرصة متابعة منتخباتها في أكبر حدث كروي، كما وفر للاتحادات الوطنية عوائد مالية وخبرات تنظيمية وفنية لم تكن متاحة من قبل، وهو ما يصب في مصلحة نمو اللعبة على المدى البعيد".
وأكد أن تعظيم الحقوق التجارية والرعايات وحقوق البث لا يتعارض مع جوهر كرة القدم طالما ظل الهدف النهائي هو إعادة توظيف هذه الموارد في خدمة اللعبة.
وقال إن"كرة القدم الحديثة أصبحت صناعة عالمية، ومن الطبيعي أن يبحث فيفا عن أفضل السبل لتعظيم موارده، بشرط أن ينعكس ذلك على تطوير المسابقات والمنتخبات والاتحادات، وهو ما يحدث بالفعل".
وحول المخاوف من تحول كأس العالم إلى منتج تجاري أكثر منه حدثًا رياضيًا، شدد أميري على أن نجاح البطولة جماهيريًا وتسويقيًا لا يعني التخلي عن قيمها الرياضية، بل يؤكد قدرة فيفا على الجمع بين الجانبين.
وأضاف أن أي مؤسسة تدير أكبر حدث رياضي في العالم مطالبة بتحقيق أعلى درجات الكفاءة الاستثمارية، لأن قوة الموارد المالية تعني قدرة أكبر على الاستثمار في مستقبل كرة القدم، وهو ما يجعل النجاح الاقتصادي في النهاية وسيلة لخدمة اللعبة وليس غاية في حد ذاته.
طارق السيد: خصخصة كرة القدم "كارثة"
قال نجم منتخب مصر ولاعب نادي الزمالك السابق، طارق السيد، إن "فكرة خصخصة كرة القدم داخل "فيفا" تمثل، من وجهة نظره، "كارثة"، موضحاً أن الاتحاد الدولي يدير بطولات كبرى ويحصل على عوائد ضخمة من حقوق الرعاية، ثم يعيد ضخ جزء منها في المنظومة الكروية".
وأوضح: "دخول مستثمرين من القطاع الخاص قد يمنحهم قدرة على التأثير في البطولة نفسها أو مسارها، وفقاً لانتماءاتهم ومصالحهم، وهو ما يجعلني غير متحمس لهذا الاتجاه، خصوصاً في البطولات الكبرى مثل كأس العالم".
ويشير نجم الزمالك السابق، إلى أن الاستثمار في نادٍ بعينه يختلف عن الاستثمار في بطولة دولية كبرى، لأن المستثمر قد يشجع نادياً أو يميل إلى طرف معين، وهو ما قد يضر بالمسابقة ويؤثر في نزاهتها.
وحذر من أن سعي المستثمرين إلى تعظيم الأرباح قد يدفع نحو زيادة عدد البطولات والمباريات، أو تقليص الفاصل الزمني بين نسخ كأس العالم من أربع سنوات إلى عامين، بما يرهق اللاعبين المشاركين بالفعل في البطولات الأوروبية والقارية والدوريات المحلية.
وتابع: "المستثمر سيبحث عن تحقيق أرباح من أسماء اللاعبين وشهرتهم، واستغلالهم باعتبارهم علامات تجارية، رغم أن هذا الاستغلال يجب أن تكون له حدود".
واختتم: "تكدس المباريات سيؤدي إلى إرهاق اللاعبين وزيادة الإصابات، وقد ينعكس على استمرارهم داخل الملاعب ويقصر أعمارهم الكروية، معتبراً أن هذا التوجه قد يضر بكرة القدم أكثر مما يفيدها".
نصر الدين عزام: موقف "فيفا" قانوني في التعاقدات الاستثمارية
أكد المحامي الدولي المتخصص في القانون الرياضي، نصر الدين عزام، أن بيع حصة غير مسيطرة لا يعني بالضرورة غياب التأثير، موضحاً أنه من الناحية القانونية، لا يمنع عدم امتلاك المستثمر للأغلبية من منحه حقوقاً تعاقدية خاصة، مثل حق الاعتراض على بعض القرارات الاستراتيجية أو حقوق الحوكمة، إذا نصت عليها اتفاقية الاستثمار.
وأضاف عزام: "تقييم مدى استقلالية "فيفا" لا يتوقف على نسبة الأسهم وحدها، وإنما على تفاصيل اتفاقية المساهمين، وهيكل الحوكمة، والحقوق الممنوحة للمستثمر، وهي أمور لم تُعلن تفاصيلها حتى الآن".
ويوضح عزام أنه من الناحية القانونية، لا يوجد جديد في قيام "فيفا" باستغلال حقوقه التجارية من خلال شركات، أو منح تراخيص واستغلال الحقوق لشركاء تجاريين أو جهات متخصصة في مختلف دول العالم، إذ إن هذا نموذج معمول به منذ سنوات.
وأشار إلى أنه: "النقاش الحالي يختلف جوهرياً، لأنه لا يتعلق ببيع أو ترخيص حق استغلال الحقوق التجارية، وإنما يتعلق، بحسب المقترحات المتداولة، بإدخال مستثمرين في ملكية الكيان الذي يمتلك هذه الحقوق أو يديرها، وهو ما يمثل تحولاً قانونياً ومؤسسياً مختلفاً يستحق دراسة دقيقة".
وزاد: "يمكن من هنا فهم أسباب التحفظ والرفض اللذين أبدتهما الاتحادات الأوروبية، موضحاً أن الحقوق التجارية لكأس العالم وغيرها من بطولات "فيفا" لا تعد مجرد أصول مالية، وإنما تمثل أحد أهم أصول الاتحاد الدولي، المملوكة بصورة غير مباشرة لجميع الاتحادات الوطنية الأعضاء".
وواصل: "ذلك يثير تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كان نقل جزء من الملكية الاقتصادية لهذه الحقوق إلى مستثمرين من القطاع الخاص يستوجب موافقة واضحة من كونغرس "فيفا"، باعتباره السلطة العليا داخل الاتحاد، وليس مجرد قرار إداري يتعلق باستغلال الحقوق التجارية".
ويؤكد عزام أن التخوف الحقيقي، في تقديره، لا يكمن في دخول مستثمر بحد ذاته، وإنما في طبيعة الحق الذي سيملكه المستثمر، لافتاً إلى وجود فرق قانوني كبير بين منح شركة حق تسويق أو استغلال الحقوق التجارية لفترة محددة، وهو أمر معتاد في صناعة الرياضة، وبين منحها حصة في الكيان الذي يملك تلك الحقوق أو يستفيد من قيمتها المستقبلية".
وأوضح: "هذا الأمر يثير تساؤلاً قانونياً حول ما إذا كان إدخال مستثمر في ملكية الكيان الجديد، الذي يحتفظ بالقيمة الاقتصادية للحقوق التجارية، يعد مجرد قرار استثماري يدخل ضمن صلاحيات مجلس "فيفا"، أم أنه قرار يمس أحد الأصول الاستراتيجية للاتحاد الدولي، ويستوجب موافقة الكونغرس باعتباره السلطة العليا في "فيفا".
محمد فضل الله: الحصص غير المسيطرة لا تعني غياب التأثير في القرارات
أكد خبير اللوائح الرياضية، الدكتور محمد فضل الله، أن بيع حصة غير مسيطرة لا يمنع النفوذ فعلياً، موضحاً أن وصف الحصة بأنها "غير مسيطرة" يظل شكلياً فقط، لأن المستثمر يضمن عادة نفوذه من خلال حقوق تعاقدية موازية، مثل حق الاعتراض على القرارات المالية، والتمثيل في المجلس، وشروط الخروج، وغيرها.
ويضيف أن هذه الحقوق قد تحول وضع المستثمر إلى ما يمكن وصفه بـ"سيطرة أقلية وظيفية"، رغم غياب الأغلبية التصويتية.
وفي ما يتعلق بإمكانية فصل الحقوق التجارية لبطولات "فيفا" داخل شركة يدخل فيها مستثمرون خارجيون، أوضح فضل الله أن لوائح "فيفا" تسمح بذلك من حيث المبدأ، ولكن بشروط وليس بصورة مطلقة.
وأشار إلى أن هذا الإجراء يستلزم موافقة الجمعية العمومية بأغلبية مشددة، لا مجرد صدور قرار إداري، إلى جانب وجود نص صريح يحصّن القرار الرياضي من أي نفوذ للمستثمر.
وأكد أنه في غياب هذين الشرطين، يصبح الفصل غير متوافق مع استقلالية القرار، ولا يعد إجراءً تمويلياً مشروعاً.