الديتوكس الرقمي (الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
الأربعاء 5 أغسطس 2026 / 18:29
أصبح الابتعاد المؤقت عن الهواتف الذكية جزءاً من توجه متنامٍ يتجاوز المبادرات الفردية، بعدما تبنّته مدارس ومطاعم وفعاليات اجتماعية، ووصل إلى فنادق ومخيمات تقدم برامج تعتمد على الانفصال المؤقت عن العالم الرقمي.
يقول الدكتور محمد فتحي لـ 24 إن استمرار هذا الاتجاه قد يغير قواعد الاقتصاد الرقمي، بحيث ينتقل التنافس من زيادة الوقت الذي يقضيه المستخدم على المنصة إلى تقديم محتوى أكثر قيمة وتأثيراً، وهو ما سيدفع صناع المحتوى والعلامات التجارية إلى التركيز على الجودة والثقة، بدلاً من مطاردة أرقام المشاهدات فقط.
يكتسب هذا التحول أهمية اقتصادية، لأن وقت المستخدم يمثل أحد أهم الأصول التي تقوم عليها نماذج أعمال منصات التواصل، سواء في بيع الإعلانات أو قياس معدلات التفاعل.
ويقود الجيل Z تنامي الاهتمام بما يعرف بـ"الديتوكس الرقمي" أو "الحمية الرقمية"، عبر الإقبال على تجارب وأدوات تساعد على تقليل وقت الشاشة واستعادة التركيز، في ظل تصاعد المخاوف من تأثير الاستخدام المكثف لمنصات التواصل الاجتماعي في الصحة النفسية وأنماط الحياة.
وبالفعل، تحولت الحمية الرقمية إلى سوق عالمية متنامية، إذ تُقدر قيمة سوق خدمات ومنتجات الحد من استخدام الشاشات بنحو 2.7 مليار دولار، مع توقعات بتضاعفها بحلول عام 2033.
بينما يعم النفع من هذا النمو بشكل واضح على مصنعي الهواتف البسيطة، ومطوري التطبيقات التي تساعد على تقليل وقت الشاشة وحجب المواقع، إلى جانب الفنادق والمنتجعات التي تقدم برامج وتجارب تعتمد على الابتعاد المؤقت عن الهواتف الذكية.
انتشار الحمية الرقمية
يقصد بالحمية الرقمية تقليل استخدام الهواتف الذكية ومنصات التواصل لفترات محددة، بهدف استعادة التوازن بين الحياة الرقمية والحياة الواقعية، وليس الانقطاع الكامل عن التكنولوجيا.
ويأتي انتشار هذا المفهوم بالتزامن مع تزايد النقاش حول تأثير الخوارزميات التي صُممت للحفاظ على انتباه المستخدمين لأطول فترة ممكنة.
ويتزامن انتشار هذه المبادرات مع تزايد اهتمام الشباب بتقليل استخدام الشاشات، إذ تظهر بيانات حديثة أن 47% من الأشخاص دون سن 30 عاماً يحاولون خفض الوقت الذي يقضونه أمامها، مقابل 32% بين الفئات الأكبر سناً.
وفي السياق نفسه، تكشف استطلاعات رأي عن شعور أكثر من نصف البالغين في الولايات المتحدة بالوحدة، بينما ترتفع معدلات الاكتئاب بين البالغين دون 30 عاماً إلى أكثر من الضعف بين نهاية عام 2017 وبداية عام 2026.
في نفس السياق، يتسع هذا التوجه ليشمل مبادرات مجتمعية ومدارس وفعاليات تعتمد مساحات خالية من الهواتف لتشجيع التواصل المباشر.
وفي نيويورك، حصل طالب في المرحلة الثانوية على منحة بقيمة 3000 دولار لتنظيم نشاط يستخدم الكاميرات الرقمية التقليدية بدلاً من الهواتف، بهدف تشجيع الطلاب على تكوين صداقات بعيداً عن الشاشات.
خبير يكشف المزيد
ويوضح الدكتور محمد فتحي، الكاتب الأكاديمي وعضو لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة في مصر لـ 24، أن الحمية الرقمية لا تقوم على هجر التكنولوجيا، وإنما على إعادة تنظيم العلاقة معها، من خلال تقليل الاستخدام غير الضروري واستعادة التوازن بين الحياة الواقعية والعالم الرقمي.
ويؤكد الدكتور محمد فتحي أن الجيل Z هو الأكثر ارتباطاً بالهواتف الذكية، ولذلك كان أيضاً الأكثر شعوراً بما يمكن وصفه بـ"الإرهاق الرقمي"، وهو ما يدفعه إلى البحث عن فترات استراحة مؤقتة، لا إلى هجر المنصات.
وأشار إلى أن ما يعرف بـ"إرهاق المنصات" الناتج عن التدفق المستمر للمحتوى والإشعارات والخوف من فوات الأحداث، دفع كثيراً من الشباب إلى البحث عن ما يسمى بـ"JOMO" أو متعة تفويت الأشياء، باعتبارها حالة من الراحة الناتجة عن عدم متابعة كل ما يحدث على الإنترنت.

الدكتور محمد فتحي
خبيرة نفسية: التوازن أهم من المنع الكامل
بدورها، تشدد الدكتورة علا راغب، أخصائية الصحة النفسية والإرشاد الأسري، على أن الحل لا يكمن في الابتعاد الكامل عن الهواتف، لأن المنع التام قد يدفع إلى التعلق بها بصورة أكبر، وإنما في بناء علاقة متوازنة معها.
وتشير إلى أن تنظيم أوقات استخدام الهاتف، وتأجيل تصفح المنصات إلى ما بعد الانتهاء من المهام اليومية، وإيقاف التشغيل التلقائي للمحتوى الذي يقود إلى المشاهدة المتواصلة، كلها خطوات تساعد على استعادة السيطرة على الوقت.
وتضيف راغب أن تقليل التعرض المستمر للإشعارات ينعكس تدريجياً على تحسين التركيز وجودة النوم والقدرة على اتخاذ القرار، كما يقلل من التوتر الناتج عن المقارنات الاجتماعية والتدفق المستمر للمحتوى، مؤكدة أن تخصيص وقت للرياضة والأنشطة الجماعية والخروج إلى المساحات المفتوحة يحقق التوازن الذي يبحث عنه كثير من الشباب اليوم.