صورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي (24)
صورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي (24)
السبت 8 أغسطس 2026 / 11:40

"الإنترنت بلا نقرات".. هل يهدد الذكاء الاصطناعي اقتصاد المواقع؟

كشفت دراسات حديثة عن تراجع واضح في دخول المستخدمين إلى المواقع الإلكترونية بسبب ظهور إجابات مولدة بالذكاء الاصطناعي مباشرة في نتائج البحث، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل إيرادات الإعلانات والاشتراكات، والطريقة التي سيمول بها المحتوى الذي تعتمد عليه أنظمة الذكاء الاصطناعي ذاتها.

وأظهرت دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، استناداً إلى سلوك 900 مستخدم أمريكي في مارس(آذار) 2025، أن المستخدمين نقروا على نتائج البحث التقليدية في 8% فقط من عمليات البحث التي ظهرت فيها ملخصات الذكاء الاصطناعي من غوغل، مقابل 15% عندما لم تظهر هذه الملخصات.

وكان الانتقال من ملخص الذكاء الاصطناعي إلى المصادر التي يستند إليها أقل بكثير، إذ نقر المستخدمون على رابط مصدر داخل الملخص في 1 بالمئة فقط من الزيارات التي ظهر فيها.

وتشير هذه الأرقام إلى تغير مهم في العلاقة بين محرك البحث والموقع. فبدلاً من استخدام نتيجة البحث للوصول إلى المصدر وقراءة المعلومة، يمكن للمستخدم الحصول على جزء كبير مما يحتاج إليه مباشرة من صفحة البحث، بحسب غسان محمود الخبير التقني والمتخصص في إنشاء وتطوير المواقع الإلكترونية.

وبرأيه، أن هذا التحول يؤثر مباشرة في النموذج الذي اعتمدت عليه المواقع لسنوات. ويضيف: "الموقع كان يعتمد على ظهوره في نتائج البحث لجذب المستخدم إليه، وكل زيارة يمكن أن تتحول إلى مشاهدة إعلان أو اشتراك أو عملية شراء. لكن عندما يحصل المستخدم على الإجابة داخل محرك البحث، قد يستخدم محتوى الموقع كمصدر للمعلومة من دون أن يحصل الموقع على الزيارة نفسها".

تراجع يصل إلى 58 بالمئة

وتوصل تحليل آخر أجرته شركة أهريفس (Ahrefs)، المتخصصة في تحليل بيانات محركات البحث، إلى نتيجة أكثر حدة.

ففي تحديث نشرته الشركة في فبراير(شباط) 2026، بعد تحليل نحو 300 ألف كلمة بحث، وجدت أن ظهور ملخصات الذكاء الاصطناعي من غوغل ارتبط بانخفاض معدل النقر المتوقع على النتيجة الأولى بنحو 58 بالمئة مقارنة بالحالات التي لا يظهر فيها ملخص للذكاء الاصطناعي.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة بالنسبة للمواقع، لأن الوصول إلى المراكز الأولى في غوغل كان لسنوات أحد أهم مصادر الزيارات، وأساس صناعة كاملة تعرف باسم تحسين محركات البحث (Search Engine Optimization – SEO).

ويقول محمود: "المركز الأول في نتائج البحث لم يعد يعني بالضرورة الحصول على النسبة نفسها من الزيارات التي كان يحققها سابقاً. قد يكون الموقع هو المصدر الذي تستند إليه المعلومة، لكن المستخدم لا يحتاج دائماً إلى الدخول إليه إذا وجد الإجابة أمامه".

توقعات بخسارة 43% من زيارات البحث

ولا تقتصر المخاوف على شركات تحليل محركات البحث. إذ أظهر تقرير "اتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026" (Journalism, Media, and Technology Trends and Predictions 2026)، الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة (Reuters Institute for the Study of Journalism)، أن مسؤولي المؤسسات الإعلامية يتوقعون انخفاض الزيارات القادمة من محركات البحث بنحو 43 بالمئة خلال السنوات الثلاث المقبلة.

واستند التقرير إلى استطلاع شمل 280 مسؤولاً إعلامياً في 51 دولة.

ويأتي ذلك في وقت تراجعت فيه بالفعل مصادر أخرى لجلب المستخدمين إلى المواقع الإخبارية. ووفق التقرير، انخفض متوسط الزيارات المحالة إلى المواقع الإخبارية من فيسبوك بنسبة 43 بالمئة خلال نحو عامين ونصف، ومن منصة "إكس" بنسبة 46 بالمئة.

بالنسبة إلى المواقع التي تعتمد على الإعلانات، فإن المعادلة مباشرة: عدد أقل من الزيارات يعني عدداً أقل من مرات مشاهدة الإعلانات، وبالتالي ضغوطاً على الإيرادات. أما المواقع التي تعتمد على الاشتراكات، فقد تصبح مهمتها أصعب في تحويل المستخدم إلى مشترك إذا حصل على المعلومة الأساسية قبل الدخول إلى الموقع.

ويرى محمود أن التأثير سيختلف بحسب طبيعة كل موقع، قائلاً: "المواقع التي تعتمد بصورة كبيرة على الزيارات القادمة من محركات البحث والإعلانات ستكون أكثر تأثراً. أما المواقع التي بنت علاقة مباشرة مع جمهورها، سواء من خلال الاشتراكات أو التطبيقات أو الزيارات المباشرة، فلديها مساحة أكبر للتكيف".

الذكاء الاصطناعي يقرأ أكثر مما يرسل زواراً

وتكشف بيانات شركة كلاودفلير (Cloudflare) وجهاً آخر للمشكلة، يتعلق بالفارق بين كمية المحتوى التي تصل إليها روبوتات الذكاء الاصطناعي وعدد المستخدمين الذين تحيلهم في المقابل إلى المواقع.

وقالت الشركة في بيانات نشرتها عام 2025 إن روبوتات OpenAI وصلت إلى نحو 1700 صفحة مقابل كل زيارة واحدة أحالتها إلى المواقع خلال الفترة التي درستها، فيما كانت النسبة أعلى لدى بعض شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى.

وتختلف هذه العلاقة عن النموذج التقليدي لمحركات البحث، إذ كانت المواقع تسمح لمحركات مثل غوغل بفهرسة صفحاتها مقابل الاستفادة من حركة المستخدمين التي تصل إليها عبر نتائج البحث.

ويشرح محمود الفرق قائلاً: "كان هناك نوع من التبادل، محرك البحث يقرأ الموقع ويفهرسه، ثم يرسل إليه المستخدم. إذا أصبح النظام يقرأ آلاف الصفحات ويستخدم المعلومات لتقديم الإجابة، بينما يعود عدد محدود جداً من المستخدمين إلى المصدر، فإن القيمة الاقتصادية لهذا التبادل تتغير".

من يدفع ثمن المحتوى؟

وبرأيه، تظهر هنا مفارقة أساسية. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى المحتوى الذي تنتجه المواقع والمؤسسات الإعلامية والشركات والباحثون والمتخصصون حتى يتمكن من تقديم إجابات للمستخدمين، في حين أن انخفاض الزيارات قد يضعف قدرة الجهات نفسها على تمويل إنتاج محتوى جديد.

فالخبر الصحفي، على سبيل المثال، يحتاج إلى صحفي ومحرر ومصادر ووقت للتحقق والنشر، إضافة إلى تكاليف تشغيل المؤسسة والموقع. كما تتحمل المواقع المتخصصة تكلفة إنتاج المقالات والصور والبيانات والخدمات التي تقدمها.

ويقول محمود: "إنشاء المحتوى ليس مجانياً، وكذلك تشغيل المواقع وتطويرها. إذا انتقلت المعلومة إلى منصة أخرى وحصل المستخدم عليها هناك، بينما بقيت تكلفة إنتاجها على الموقع الأصلي، فلا بد من ظهور نموذج اقتصادي يعيد جزءاً من القيمة إلى المنتج".

هل تدفع شركات الذكاء الاصطناعي للمواقع؟

بدأ بالفعل البحث عن بدائل للنموذج القائم على الزيارات، أبرزها اتفاقات ترخيص المحتوى بين شركات الذكاء الاصطناعي والمؤسسات الإعلامية.

لكن تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة (Reuters Institute for the Study of Journalism) يشير إلى أن الناشرين لا يتوقعون حتى الآن أن تعوض هذه الأموال الإيرادات التقليدية على نطاق واسع.

وقال 20 بالمئة فقط من المسؤولين الإعلاميين المشاركين في استطلاع المعهد إنهم يتوقعون أن تصبح إيرادات منصات الذكاء الاصطناعي مصدراً مهماً للدخل، مقابل 49 بالمئة يتوقعون مساهمة محدودة، فيما رأى نحو خُمس المشاركين أنهم قد لا يحصلون على إيرادات منها.

وبدأت كلاودفلير (Cloudflare) في 2025 باختبار نموذج "الدفع مقابل الزحف" (Pay Per Crawl)، الذي يتيح للمواقع فرض مقابل على روبوتات الذكاء الاصطناعي للوصول إلى محتواها.

وفي يوليو 2026، وسعت الفكرة باختبار "الدفع مقابل الاستخدام" (Pay Per Use)، لربط المقابل المالي بالاستخدام الفعلي للمحتوى في خدمات وإجابات الذكاء الاصطناعي، وليس بمجرد دخول الروبوت إلى الصفحة.

ويرى محمود أن هذه النماذج يمكن أن تكون بداية لتغيير أوسع، قائلاً: "قد نصل إلى مرحلة يصبح فيها الوصول إلى المحتوى عالي الجودة مرتبطاً بترخيص أو مقابل مالي، خصوصاً إذا كانت الشركات تستخدمه بصورة تجارية. المواقع أيضاً ستحتاج إلى تنويع دخلها وعدم الاعتماد فقط على الإعلانات الناتجة عن زيارات غوغل."

إنترنت بلا نقرات؟

ولا تعني هذه التحولات بالضرورة اختفاء المواقع، لكن ربما تدفعها إلى البحث عن مصادر جديدة للإيرادات، مع استمرار انتقال البحث من قائمة الروابط إلى الإجابات المباشرة.

ويقول محمود: "الذكاء الاصطناعي لن يلغي الحاجة إلى المواقع والمحتوى الأصلي، لأنه يحتاج إليهما في الأساس، لكننا أمام تغيير في طريقة توزيع القيمة على الإنترنت. والتحدي في السنوات المقبلة سيكون إيجاد معادلة يستفيد منها المستخدم من سهولة الوصول إلى الإجابة، من دون أن يفقد منتج المحتوى القدرة على تمويل ما ينتجه".