جفاف نهر الراين في ألمانيا (أ ف ب)
جفاف نهر الراين في ألمانيا (أ ف ب)
الخميس 13 أغسطس 2026 / 16:36

تقرير: جفاف "الراين" يهدد شريان الصناعة في ألمانيا

يواجه الاقتصاد الألماني ضغوطاً متزايدة بسبب الانخفاض التاريخي في مستويات مياه نهر الراين، أحد أهم شرايين النقل والصناعة في البلاد، في وقت تهدد فيه الأزمة بتعطيل سلاسل الإمداد ورفع تكاليف الشحن والضغط على النمو.

وبحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، أعادت موجة الجفاف الجدل حول مشروع حكومي لتعميق الممر الملاحي عند نقطة اختناق قرب بلدة كاوب غرب فرانكفورت، إذ لا يزال المشروع عالقاً بعد 34 عاماً من طرحه للمرة الأولى في 1992، من دون أن يُنجز حتى الآن.

شريان حيوي للصناعة الألمانية

تنبع أهمية الراين كونه أكبر وأهم ممر مائي داخلي في ألمانيا، إذ يستحوذ على 80% من حركة الشحن النهري. وتعتمد عليه قطاعات رئيسية لنقل الفحم والنفط وخامات المعادن والمواد الكيميائية والسلع الثقيلة.

كما تنتشر على امتداد النهر منشآت لشركات كبرى مثل "BASF" و"Thyssenkrupp" و"Bayer" و"Covestro"، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة ينعكس سريعاً على الإنتاج وسلاسل التوريد، وفق الصحيفة.

كاوب.. نقطة الاختناق الأخطر

تتركز المشكلة قرب كاوب، حيث يقل عمق قناة الملاحة بنحو 20 سنتيمتراً عن مناطق أخرى من النهر، ما يفرض على السفن تقليص حمولاتها عندما تنخفض مستويات المياه.

ودفعت إحدى أسوأ موجات الجفاف في ألمانيا منذ بدء الرصد عام 1882، مستوى المياه في محطة كاوب إلى قاع قياسي جديد، متجاوزاً انخفاض 2018 الذي تسبب بدوره في أضرار اقتصادية.

وقال الرئيس التنفيذي لاتحاد النقل النهري الألماني، ينس شفانين، للصحيفة: إنه "من غير المفهوم أن يستغرق مشروع إزالة 6 أجزاء صخرية مغمورة في النهر كل هذه السنوات"، مشيراً إلى أن الأعمال الهندسية نفسها قد تحتاج إلى نحو 8 أشهر فقط.

وأضاف شفانين أن "ألمانيا تهدر وقتاً لا تملكه"، معتبراً أن تأخر المشروع يعكس أزمة أوسع في تحديث البنية التحتية الألمانية.

مشروع مؤجل منذ 34 عاماً

تأخر المشروع بسبب اعتراضات بيئية وتغير الأولويات السياسية وطول إجراءات التخطيط. ورغم إعادة وضعه ضمن الأولويات الحكومية في عام 2019، بعد أن أثر انخفاض مستويات المياه في العام السابق على الناتج المحلي الإجمالي، لا تزال الخطط تشير إلى تنفيذ أعمال التعميق بحلول عام 2033. ووصف المعهد الفيدرالي لهندسة وبحوث الممرات المائية المشروع بأنه من "أعلى الأولويات".

وأكد وزير النقل الاتحادي شتيفن بيلغر لـ(فايننشال تايمز)، أن "برلين تمضي قدماً في تعميق الجزء القريب من كاوب"، مشدداً على أن المشروع يمثل مسألة ذات "مصلحة عامة عليا".

كما حذر بيلغر من أن "الأسابيع المقبلة ستكون صعبة"، في ظل توقع استمرار المستويات شديدة الانخفاض في نهري الراين والدانوب، رغم الإجراءات الجديدة التي اتخذتها الحكومة لتبسيط وتسريع عمليات الموافقة على مشروعات البنية التحتية.

وانضم السياسي الألماني السابق بيرند رويتر إلى منتقدي التأخير، واصفاً المشروع بأنه "قصة لا تنتهي" رافقته لسنوات. وكان رويتر قد تقدم في عام 2019 بمقترح إلى البرلمان لتسريع أعمال تعميق قاع النهر، معتبراً المشروع أحد أهم مشروعات النقل في ألمانيا، وقال إن "الجدل نفسه يتكرر كلما انخفض منسوب المياه، لكن لم يحدث شيء منذ سنوات".

الجفاف يضغط على المصانع وسلاسل الإمداد

أدى تراجع المنسوب إلى توقف العبّارة المحلية في كاوب، بينما خفّضت سفن الشحن حمولاتها بدرجة كبيرة لتجنب الجنوح، ما أثر مباشرة على إمدادات الفحم والنفط والخامات المعدنية إلى الصناعات الكيميائية والثقيلة القريبة من الراين.

وحذرت رابطة الصناعات الكيميائية الألمانية من ارتفاع تكاليف النقل واحتمال خفض الإنتاج، بينما علقت 5 ولايات ألمانية حظر سير الشاحنات أيام الأحد بصورة استثنائية في محاولة لنقل مزيد من البضائع براً. 

كلفة تتجاوز قطاع الشحن

اقتصادياً، حذرت مؤسسة "Oxford Economics" من أن استمرار الجفاف قد يقتطع نحو 0.2 نقطة مئوية من النمو الفصلي خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر (أيلول) المقبل.

ووصف رئيس الاقتصاد الكلي العالمي في "ING"، كارستن برزيسكي، الجزء القريب من كاوب بأنه تحول فعلياً إلى "مضيق هرمز الألماني"، معتبراً الأزمة مثالاً جديداً على بنية تحتية لم تحظَ بالصيانة والتحديث الكافيين، وفق الصحيفة.

هل يمكن استبدال الراين؟

لا يبدو استبدال الراين خياراً سهلاً، فالنقل بالشاحنات والسكك الحديدية يمكن أن يعوض جزءاً من الشحنات، لكنه لا يوفر القدرة الاستيعابية والكلفة التي يتميز بها النقل النهري، وفق الصحيفة.

وبحسب شفانين، فإن تعميق الممر الملاحي عند كاوب لن يشكل حلاً نهائياً للأزمة، إذ تحتاج ألمانيا مستقبلاً إلى إدارة أكثر نشاطاً للمياه وربما أنظمة من الأهوسة، مؤكداً أن "التعميق كان سيتيح للسفن مواصلة العمل لفترة أطول، قبل أن تصبح مستويات المياه عائقاً أمام الملاحة".