شحنة من سبائك النحاس في تشيلي (رويترز)
شحنة من سبائك النحاس في تشيلي (رويترز)
الأحد 16 أغسطس 2026 / 11:58

"الذهب المتنكر".. النحاس يعبر 12 ألف دولار وسط شح الإمدادات العالمية

بينما تتجه أنظار المستثمرين عادة إلى الذهب والفضة بحثاً عن الملاذات الآمنة، يشق النحاس طريقه بهدوء نحو مستويات تاريخية. إذ برز المعدن الأحمر كأحد نجوم أسواق السلع، بعدما قفزت أسعاره 47% على أساس سنوي، وارتفعت بأكثر من 15% منذ بداية العام الحالي، فيما تجاوز سعر الطن عالمياً حاجز 12 ألف دولار للمرة الأولى خلال موجة الصعود الأخيرة.

 لماذا يرتفع النحاس بهذه القوة؟

القصة تبدأ من معادلة اقتصادية بسيطة: العالم يريد نحاساً أكثر، بينما زيادة إنتاجه ليست بالسهولة نفسها. فمن شبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، وصولاً إلى مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لطفرة الذكاء الاصطناعي، يدخل النحاس تقريباً في قلب كل مشروع يعتمد على الكهرباء.

وتتوقع "وكالة الطاقة الدولية" استمرار فجوة بين الإمدادات المتوقعة والطلب حتى 2035، مع احتمال بلوغ عجز المعروض 25%، وفق أحدث تقديراتها.

أميركا تسحب نحاس العالم والأسعار تواصل الارتفاع | اندبندنت عربية

ووفق "وحدة أبحاث الطاقة" ارتفع إجمالي الطلب العالمي على النحاس من 25 مليون طن في 2021 إلى 27.8 مليون طن في 2025. ومن المتوقع ارتفاع الطلب على المعدن عالمياً بنسبة 11%، ليصل إلى 30.79 مليون طن بحلول 2030. 

اضطرابات الإنتاج تشعل السوق

في الجهة الأخرى من المعادلة، تتعرض الإمدادات لضغوط متلاحقة. جمهورية الكونغو الديمقراطية، ثاني أكبر منتج عالمي، فرضت قيوداً على تصدير مركزات النحاس، بينما تضرر الإنتاج في تشيلي من اضطرابات مناخية وتشغيلية، إذ خفضت شركة "أنتوفاغاستا" توقعاتها لإنتاج 2026 بعد الأمطار الغزيرة التي أدت إلى توقف منجم "لوس بيلامبريس".

وبحسب "الوكالة"، يضاعف المشكلة أن إنشاء منجم جديد للنحاس ليس حلاً سريعاً، فوكالة الطاقة الدولية تقدر المدة من اكتشاف المورد إلى بدء الإنتاج 17 عاماً. 

ترامب يدخل على الخط

وللسياسة أيضاً دور في صعود النحاس. بدأت القصة عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 2025 رسوماً 50% على بعض واردات النحاس، ضمن مساعيه لتعزيز الصناعة الأمريكية. وفي 2026 واصلت واشنطن تعديل نظام الرسوم على النحاس ومنتجات المعادن بموجب المادة 232، وفق "رويترز". 

النحاس يتراجع بفعل قوة الدولار ومخاوف تباطؤ النمو العالمي

النتيجة لم تقتصر على الضرائب، فالخشية من الرسوم جذبت كميات ضخمة من النحاس باتجاه الولايات المتحدة للاستفادة من فروق الأسعار، وقلصت المعدن المتاح في أسواق أخرى، ما أضاف ضغطاً جديداً على سوق تعاني أصلاً شح الإمدادات.

ثروة نحاسية في جنوب الأردن

تتصدر تشيلي خريطة الإنتاج العالمي، تليها الكونغو الديمقراطية، ثم بيرو، وتشكل الدول الثلاث مجتمعة قرابة نصف إنتاج المناجم العالمي.

ففي خضم هذا السباق العالمي على المعدن الأحمر، يبرز الأردن بثروة نحاسية واعدة، لا سيما في جنوب المملكة.

 وبحسب "وزارة الطاقة والثروة المعدنية" تحتوي منطقة أبو خشيبة في وادي عربة على كميات جيولوجية تُقدر بـ 20 إلى 30 مليون طن من خام النحاس بتراكيز وُصفت بأنها مجدية اقتصادياً.

وفي يونيو (حزيران) 2025، وقع الأردن أول اتفاقية تنفيذية لاستغلال خامات النحاس في المنطقة، على مساحة 48 كيلومتراً مربعاً ولمدة 30 عاماً. 

وتشير تقديرات إلى أن إجمالي النحاس المعدني في الأردن يقارب مليون طن، منها نحو 845 ألف طن في منطقة ضانا. وفي المنطقة ذاتها، قدرت دراسات سابقة حجم الخامات والصخور الحاملة للنحاس بنحو 45 مليون طن، موزعة بين 20 مليون طن في فينان و25 مليون طن في خربة النحاس.

وهنا تختلف دلالة الأرقام، فـ45 مليون طن في ضانا، و20 إلى 30 مليون طن في أبو خشيبة، تمثل حجم الخامات والصخور الحاملة للنحاس، وليست كمية النحاس الخالص، بينما يشير تقدير المليون طن إلى كمية النحاس المعدني المقدرة في المملكة.

وبذلك يمتلك الأردن عشرات الملايين من أطنان الخامات النحاسية التي يسعى إلى تحويلها من ثروة كامنة تحت الأرض إلى مورد اقتصادي، في توقيت يشهد فيه المعدن طلباً عالمياً متسارعاً وارتفاعات تاريخية في الأسعار.