الين الياباني (رويترز)
الين الياباني (رويترز)
الثلاثاء 18 أغسطس 2026 / 09:35

تحركات الين تعيد تسعير مخاطر "الكاري تريد" عالمياً

تدخل طوكيو مرحلة حساسة في أسواق العملات مع تحرك بنك اليابان لدعم الين، في خطوة قد تكون لها تداعيات تتجاوز سوق الصرف المحلي إلى الأسواق المالية العالمية، خصوصاً أن الاقتصاد الياباني يمثل أحد أكبر مصادر التمويل منخفض الكلفة لصفقات "الكاري تريد" حول العالم.

ذكرت The Economist أن استراتيجية "الكاري تريد" تقوم بصورة أساسية على الاقتراض بعملة ذات كلفة منخفضة، مثل الين، ثم تحويل الأموال إلى عملات أخرى والاستثمار في أصول تحقق عائداً أعلى. وأصبحت هذه الاستراتيجية على مدى سنوات أحد أهم مصادر السيولة في الأسواق العالمية، مستفيدة من أسعار الفائدة اليابانية المنخفضة مقارنة بالولايات المتحدة ودول أخرى.

تدخل نادر لدعم الين

شهد الين ضغوطاً قوية خلال الفترة الماضية، بعدما تجاوز مستوى 163 يناً مقابل الدولار في أواخر يوليو (تموز)، وهو مستوى لم يسجله منذ عام 1986، الأمر الذي دفع السلطات اليابانية إلى التحرك.

وفي خطوة لافتة، انضمت وزارة الخزانة الأمريكية إلى جهود دعم العملة اليابانية، إذ استخدمت جزءاً من احتياطياتها من العملات الأجنبية للمساعدة في شراء الين إلى جانب بنك اليابان.

ويمثل هذا التحرك تطوراً مهماً في سوق الصرف، نظراً إلى أن تدخل السلطات لشراء العملة المحلية لا يهدف فقط إلى دعم سعر الين، بل يمكن أن يؤدي أيضاً إلى تقليص أحد أكبر مصادر التمويل منخفض الكلفة المستخدم في الأسواق العالمية.

كيف تعمل تجارة "الكاري تريد"؟

تعتمد هذه الاستراتيجية على الفارق بين أسعار الفائدة. فعندما تكون كلفة الاقتراض بالين منخفضة، يستطيع المستثمر اقتراض الين ثم تحويله إلى الدولار أو عملات أخرى للاستثمار في أسهم أو سندات أو أصول تحقق عائداً أعلى.

ويستفيد المستثمر من فارق العائد طالما بقي الين ضعيفاً أو مستقراً. لكن المشكلة تظهر عندما يبدأ الين في الارتفاع، إذ ترتفع كلفة إعادة شراء العملة اليابانية اللازمة لسداد القروض، ما قد يدفع المستثمرين إلى بيع الأصول التي اشتروها وإغلاق مراكزهم.

وفي حال حدث ذلك على نطاق واسع، يمكن أن تتحول العملية إلى موجة بيع متزامنة في أسواق متعددة، وهو ما يجعل تحركات الين ذات أهمية كبيرة للمستثمرين حول العالم.

بنك اليابان في قلب المعادلة

تاريخياً، لعب بنك اليابان دوراً استثنائياً في توفير السيولة الرخيصة للأسواق، بعدما حافظ لسنوات طويلة على أسعار فائدة منخفضة للغاية، في وقت رفعت فيه بنوك مركزية أخرى تكاليف الاقتراض لمواجهة التضخم.

وأدى هذا الاختلاف إلى جعل الين إحدى أهم عملات التمويل في العالم. ومع انتقال السياسة النقدية اليابانية تدريجياً نحو معدلات فائدة أعلى، بدأت المعادلة التي دعمت تجارة "الكاري تريد" تتغير.

ويعني ارتفاع أسعار الفائدة اليابانية أن الاقتراض بالين يصبح أكثر كلفة، بينما يؤدي ارتفاع قيمة الين إلى زيادة تكلفة المراكز المفتوحة المقومة بعملات أخرى.

لماذا يخشى المستثمرون من فك المراكز؟

تكمن الخطورة الأساسية في أن فك صفقات "الكاري تريد" يمكن أن يحدث بسرعة. فإذا بدأ الين في الارتفاع بصورة مفاجئة، فقد يسارع المستثمرون إلى إغلاق مراكزهم، ما يعني شراء الين وبيع الأصول التي مولوا شراءها بالأموال المقترضة.

وقد يؤدي ذلك إلى حلقة متسارعة: ارتفاع الين يدفع إلى مزيد من إغلاق المراكز، ما يرفع الطلب على الين، ما يؤدي بدوره إلى مزيد من ارتفاع العملة.

ولا يقتصر التأثير على سوق العملات، إذ يمكن أن تمتد عمليات البيع إلى الأسهم والسندات والأصول ذات المخاطر المرتفعة، خصوصاً إذا كانت المراكز الممولة بالين ضخمة ومتركزة في عدد محدود من الأسواق.

تحالف غير معتاد بين واشنطن وطوكيو

يكتسب تدخل الولايات المتحدة إلى جانب اليابان أهمية خاصة، إذ نادراً ما تتدخل واشنطن بشكل مباشر لدعم عملة دولة أخرى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإعادة تشكيل تدفقات رأس المال العالمية.

ويأتي ذلك في وقت أصبح فيه ضعف الين قضية اقتصادية وسياسية بالنسبة إلى اليابان، بسبب تأثيره على أسعار الواردات وتكلفة الطاقة والغذاء، فضلاً عن تأثيره في القوة الشرائية للأسر اليابانية.

وفي المقابل، فإن ارتفاع الين بسرعة كبيرة قد يمثل مشكلة للمصدرين اليابانيين، ما يجعل السلطات أمام معادلة دقيقة بين منع انهيار العملة والحفاظ على قدرتها التنافسية.

من أكبر المستفيدين إلى أكبر مصدر للمخاطر

أصبح بنك اليابان، بصورة غير مباشرة، أحد أكبر مصادر التمويل للأسواق العالمية عبر سنوات من السياسة النقدية فائقة التيسير. لكن التحول نحو سياسة أكثر تشدداً قد يحول هذه الميزة إلى مصدر للمخاطر.

فكلما ارتفعت تكلفة التمويل بالين، أصبحت صفقات الاستثمار القائمة على اقتراض العملة اليابانية أقل جاذبية. وإذا ترافق ذلك مع ارتفاع الين، فقد يصبح إغلاق تلك المراكز أكثر إلحاحاً.

وتكمن حساسية الوضع في ضخامة الأموال المرتبطة بهذه الاستراتيجية، إذ لا يمكن قياس جميع مراكز "الكاري تريد" بسهولة لأنها موزعة بين صناديق التحوط والبنوك والمستثمرين المؤسسيين وأدوات مالية مختلفة.