حرائق الغابات في أوروبا (رويترز)
حرائق الغابات في أوروبا (رويترز)
الثلاثاء 18 أغسطس 2026 / 12:53

أوروبا تحت ضغط المناخ.. خسائر متصاعدة وتأمين لا يغطي الفاتورة

تتزايد المخاوف في أوروبا من تحول الخسائر الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرفة، إلى عبء دائم على المالية العامة، في ظل بقاء الجزء الأكبر من الأضرار الاقتصادية خارج نطاق التغطية التأمينية.

وأظهرت حرائق الغابات في جنوب غرب أوروبا هذا العام، والفيضانات التي ضربت إسبانيا في 2024 وألمانيا ودولاً مجاورة في 2021، أن أضرار المناخ باتت تضيف ضغوطاً جديدة على موازنات الحكومات، إلى جانب ارتفاع الإنفاق الدفاعي وتكاليف شيخوخة السكان، وفق تقرير لوكالة رويترز.

وقال رئيس تصنيفات الديون السيادية لغرب أوروبا في وكالة "فيتش"، فيديريكو باريغا-سالازار، إن "المشكلة تكمن في تزايد تكرار هذه الكوارث، بعدما كان يُنظر إليها سابقاً كأحداث استثنائية ومكلفة تحدث لمرة واحدة"، محذراً من أن الدول ذات الأوضاع المالية الضيقة قد تضطر إلى المفاضلة بين إعادة الإعمار وبنود إنفاق أخرى.

فاتورة مناخية تتسع

بحسب وكالة البيئة الأوروبية، تسببت الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة في خسائر اقتصادية، تقدر بنحو 822 مليار يورو، ما يعادل 953 مليار دولار، في الاتحاد الأوروبي بين 1980 و2024، فيما وقع نحو رُبع هذه الخسائر خلال السنوات الأربع الأخيرة فقط.

وتشير تقديرات إلى أن فيضانات إسبانيا في 2024، وهي الأسوأ في أوروبا منذ 5 عقود، قد تترتب عليها تكاليف إعادة إعمار تعادل نحو 0.7 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، خلال الفترة من 2024 إلى 2026.

ولا يغطي التأمين إلا نحو ربع الخسائر المرتبطة بالكوارث المناخية في الاتحاد الأوروبي، بينما تقل نسبة التغطية في بعض الدول عن 5%. وقال ديفيد زان، رئيس أدوات الدخل الثابت الأوروبية في "فرانكلين تمبلتون"، إن هذه الكوارث قد تكلف بعض الدول ما بين 1% و2% من ناتجها المحلي الإجمالي.

وبحسب مركز "بروغل"، أجبر انخفاض التغطية التأمينية في ألمانيا الحكومة على تخصيص نحو 30 مليار يورو من الأموال العامة لتغطية الجزء الأكبر من أضرار فيضانات 2021.

كيف تتحول "شمس أوروبا" إلى درع لمواجهة الحر وأزمات الطاقة؟ - موقع 24تخلق موجة الحر في أوروبا فرصاً لتعزيز إنتاج الطاقة الشمسية، وسط قفزة أسعار النفط والغاز واضطراب ممرات الشحن الدولية. في المقابل، تظل الاستفادة الأوروبية محدودة؛ إذ تقابل ذروة الإنتاج النهارية طفرة في استهلاك الكهرباء لأغراض التبريد، ما يتسبب في فجوة حادة بالمعروض والأسعار فور غروب الشمس.

التأمين تحت الاختبار

تتسع الفجوة بين حجم الخسائر والتعويضات التأمينية. وتشير تقديرات "موديز" إلى أن موجات الحر في أوروبا تسببت في خسارة نحو 43 مليار يورو من الناتج الاقتصادي، مقابل نحو 500 مليون يورو فقط من التعويضات التأمينية، في ظل صعوبة تغطية خسائر توقف الأعمال وتراجع الإنتاجية حين لا تكون مرتبطة بأضرار مادية مباشرة.

ومع استعداد الاتحاد الأوروبي، لطرح مقترحات لتعزيز القدرة على مواجهة التغير المناخي وإدارة المخاطر، تتجه الأنظار إلى توسيع التغطية التأمينية وتقاسم المخاطر. 

واقترح البنك المركزي الأوروبي نظاماً مشتركاً لإعادة التأمين يجمع بين القطاعين العام والخاص، تدعمه آلية تمويل أوروبية لمواجهة الكوارث.

أوروبا تواجه موجات الحر.. خسائر اقتصادية تتجاوز التغطية التأمينية - موقع 24تتحول موجات الحر في أوروبا إلى كلفة اقتصادية متصاعدة على الشركات، من تراجع المبيعات والإنتاجية إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، في وقت لا تغطي فيه وثائق التأمين التقليدية جانباً كبيراً من هذه الخسائر.

النقل يدفع كلفة التكيف

لا تقتصر التداعيات الاقتصادية للمناخ على الخزائن العامة والتأمين، بل تمتد إلى قطاعات حيوية مثل النقل. إذ تسبب انخفاض منسوب نهر الراين، أحد أهم شرايين نقل المواد الخام والكيماويات في ألمانيا، في مخاوف من اقتطاع نحو 0.3% من نمو الناتج المحلي الإجمالي، واضطرت شركات صناعية إلى البحث عن بدائل للنقل النهري عبر القطارات والشاحنات.

كما تدفع الحرارة القياسية شركات النقل إلى استثمارات إضافية. وأعلنت "يوروستار" تجهيز أسطول جديد بأنظمة تكييف قادرة على العمل في درجات حرارة تصل إلى 55 درجة مئوية، فيما اضطرت سلطات مطار أوسلو إلى تبريد مدرجات وممرات الطائرات بالمياه خلال موجات الحر.

أوروبا تتحرك سريعاً لمواجهة "كارثة صامتة" بعد موجات الحر - موقع 24تسعى الدول الأوروبية جاهدة لمعالجة التحدي المناخي، الذي برز على نطاق واسع بعد موجة الحرارة الشديدة، في ظل الجفاف وحرائق الغابات المستعرة.

الطاقة المتجددة رهان أوروبي

في المقابل، يسرّع تصاعد المخاطر المناخية وأزمات الطاقة تحول أوروبا نحو المصادر المتجددة. وبلغت حصة الطاقة المتجددة 47.2% من إنتاج الكهرباء في الاتحاد الأوروبي خلال 2025، فيما وفرت الطاقة الشمسية وحدها رُبع كهرباء الاتحاد خلال يونيو (حزيران) 2026 للمرة الأولى.

وتتوقع المفوضية الأوروبية ارتفاع حصة الطاقة المتجددة في منظومة الكهرباء إلى 69% بحلول 2030، في تحول لا يستهدف فقط خفض الانبعاثات، بل أيضاً تقليل التعرض لصدمات أسعار الوقود المستورد وتعزيز أمن الطاقة.

ويبقى السؤال حول ما إذا كانت موجات الحر والحرائق التي تشهدها أوروبا هذا الصيف ستوفر الزخم السياسي اللازم لتحمل تكاليف إجراءات التكيف مسبقاً، سواء على مستوى الحكومات الوطنية أو الاتحاد الأوروبي، وفق رويترز.