آثار ضربة صاروخية روسية على مستودع غذائي في أوكرانيا (رويترز)
آثار ضربة صاروخية روسية على مستودع غذائي في أوكرانيا (رويترز)
الخميس 20 أغسطس 2026 / 19:30

الضربات الروسية على موانئ أوديسا تدفع مزارعي أوكرانيا للإفلاس

قبل أكثر من 4 سنوات، ترك رافيل دخمالي مزرعته في إقليم خيرسون الأوكراني بعد اجتياح القوات الروسية للإقليم. وعندما انسحبت القوات الروسية، عاد المزارع الأوكراني لكي يطهر مزرعته من الألغام، ويزرع القمح والشعير ودوار الشمس.

وبعد إنفاق مدخراته واقتراضه من الأصدقاء، تمكن المزارع البالغ من العمر 38 عاماً من تغطية نفقاته في 2025، وهو أول موسم له بعد عودته إلى أرضه. ومع ذلك، كان متفائلاً بجني محصول وفير هذا العام؛ حيث كان الطقس مواتياً، كما نجت أرضه البالغة 800 هكتار (1977 فداناً) من غارات الطائرات المسيرة الروسية التي أحرقت محاصيل بعض جيرانه.

ولكن قبل أن يتمكن دخمالي من بيع محصول هذا العام، أدت الهجمات الروسية المتصاعدة على ميناء أوديسا الأوكراني الرئيسي على البحر الأسود إلى تعطيل الصادرات الأوكرانية، وبخاصة الزراعية، بشكل كبير.

وقال دخمالي في محادثة هاتفية مع وكالة بلومبرج للأنباء: "عندما بدأنا الحصاد، كان الشعور إيجابياً للغاية، لكننا الآن عدنا إلى الواقع قليلًا".

وشكلت الضربات الروسية على موانئ أوديسا الكبرى ضربة قوية للقطاع الزراعي في أوكرانيا؛ حيث إن هذه الموانئ مسؤولة عادة عن قرابة 90% من شحنات الحبوب الأوكرانية، لكن هذه الصادرات توقفت فعلياً مع بداية موسم الحصاد. كما وجهت الضربات انتكاسة شديدة للاقتصاد الأوكراني بشكل عام؛ حيث تمثل الشحنات الزراعية أكثر من نصف عائدات صادرات البلاد.

وتعد أوكرانيا من أبرز مصدري الحبوب في العالم، وخاصة الذرة والقمح. وقد ساهم تصاعد الحرب بين كييف وموسكو في البحر الأسود في دفع أسعار القمح العالمية في الشهر الماضي إلى أعلى مستوياتها منذ عامين، وتهدد اضطرابات تدفق الحبوب بنقص الإمدادات الغذائية في بعض الدول النامية.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، أمس الأربعاء، استهداف سفينتين لنقل البضائع الجافة في البحر الأسود، جنوب شرق أوديسا أول أمس الثلاثاء. وفي الوقت ذاته، تعرضت خمس سفن حبوب روسية على الأقل لهجمات بالقرب من موانئ نوفوروسيسك وتوابسي الروسية على البحر الأسود خلال الأسبوع الحالي، في ظل سعي موسكو الحثيث لمواصلة تصدير الحبوب.

كما يعد القطاع الزراعي مصدراً رئيسياً للوظائف في أوكرانيا؛ فقبل الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022، كان هذا القطاع يوظف أكثر من مليوني شخص، ويسهم بأكثر من 10% من إجمالي الناتج المحلي للدولة.

وتقول يفجينيا سليبتسوفا، كبيرة المحللين الاقتصاديين لدى مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس: "الزراعة هي القطاع الأهم في أوكرانيا".

وتعزز الدور الاقتصادي للقطاع الزراعي في أوكرانيا خلال الحرب، بعد أن تعرض قطاع الصناعات الثقيلة في البلاد لتدمير كبير جراء الضربات الروسية، على حد قول سليبتسوفا.

وتحذر تقديرات مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس من أن أوكرانيا قد تخسر ما يعادل 1.8% من ناتجها المحلي الإجمالي هذا العام، و2.1% في العام المقبل.

ويضيف التقرير: "حال استمرار الاضطراب الشديد لفترة طويلة، قد تخسر أوكرانيا ما يعادل 5.3% من ناتجها المحلي الإجمالي في 2027".

ويواجه دخمالي وغيره من المزارعين في أوكرانيا وضعاً لا يحسدون عليه: إما يحتفظون بمحاصيلهم، أو يبيعونها بخسارة فادحة في سوق محلية تعاني من الركود. ومع اعتماد جزء كبير من القطاع على بيع المحاصيل لتمويل العمليات اليومية، فإن الوضع يزداد سوءاً بسرعة.

وفي الوقت الحالي، يكدس دخمالي أطناناً من الحبوب غير المباعة، معبأة في أكياس بلاستيكية بطول 60 متراً موضوعة في حقوله.

وقد يحافظ ذلك على محصوله حتى مارس (آذار)، لكن أوكرانيا قد تستنفد طاقتها التخزينية الأوسع بحلول أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) إذا لم تستأنف تصدير محاصيلها الزراعية، وفقاً لوزارة الزراعة.

كما تواجه أوكرانيا احتمال خسارة ما يصل إلى 2.5 مليار دولار هذا العام بسبب الحصار المفروض على الصادرات، وفقاً للبنك المركزي الأوكراني. كما قد يؤدي ذلك إلى موجة إفلاس واسعة النطاق في القطاع، وهو ما من شأنه أن يؤثر سلباً على الروح المعنوية في المناطق الريفية الأوكرانية.

ويقول أولكسندر هافريليوك، الذي يزرع 3000 هكتار من الأرض على بعد حوالي 60 كيلومتراً من خط المواجهة في منطقة خاركيف: "الوضع مزر".

ولا يملك هافريليوك ما يكفي من المال حتى لنقل حبوبه إلى مرافق التخزين، ويخشى أن تدمر الأمطار محصوله، ما يعرضه للإفلاس، في حين تشهد سوق الحبوب المحلية شللاً تاماً.

ويجري تداول المنتجات الزراعية في السوق المحلية حالياً بأسعار تقل عن ثلث الأسعار العالمية، وهو ما يعني أنها أقل بكثير مما يقول المزارعون إنهم يحتاجونه لتغطية تكاليف الإنتاج.

ومع أن مزارعي أوكرانيا واجهوا صعوبات عديدة منذ بداية الحرب، فإنهم يقولون إن أزمة هذا العام أسوأ بكثير مما حدث في العام الأول للحرب، عندما عرقل الجيش الروسي صادرات الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود.

ولا يزال هافريليوك يسدد قروضاً حصل عليها 2021 لشراء معدات زراعية، فقد معظمها جراء غارات جوية روسية. وقال إن البنوك المحلية رفضت إعادة هيكلة ديونه، بينما أبلغته شركات التأمين أن أضرار الحرب غير مشمولة بوثيقة التأمين الخاصة به.