ميزان الثروة (الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
الثلاثاء 25 أغسطس 2026 / 20:53
دخل الذكاء الاصطناعي إلى الاقتصاد الأمريكي بوعد واسع يتجاوز التكنولوجيا نفسها، إذ رُوّج له كأداة يمكن أن توسع الفرص وتمنح شرائح أكبر من المجتمع قدرة على الوصول إلى المعرفة والإنتاج.
لكن انتشاره المبكر يكشف صورة أكثر تعقيداً، إذ تركز استخدامه ومكاسبه في المناطق والأسر الأكثر ثراءً.
خريطة الاستخدام تكشف أول فجوة
يستخدم نحو نصف البالغين في الولايات المتحدة تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما تعتمد عليها قرابة شركة واحدة من كل 5 شركات.
وتتركز مستويات الاستخدام الأعلى في منطقة خليج سان فرانسيسكو والمناطق المحيطة بنيويورك وواشنطن وسياتل، في حين تسجل ولايات مثل ميسيسيبي ووست فرجينيا وداكوتا الشمالية أدنى مستويات الاستخدام للفرد، وفق بيانات شركة أنثروبيك.
ويرى مارك مورو من معهد بروكينغز أن هذا التفاوت يمكن أن يعزز الفجوة بين المناطق التي استفادت بالفعل من الاقتصاد الرقمي وتلك التي تأخرت عنه، رغم أن المناطق الأقل ثراءً بدأت في اللحاق بمعدلات الاستخدام.
طفرة الأسهم تعيد توزيع المكاسب
وتظهر آثار الطفرة في سوق الأسهم الأمريكي؛ فارتفاع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي ساهم في الجزء الأكبر من مكاسب مؤشر ستاندرد آند بورز 500، الذي يقيس أداء نحو 500 شركة أمريكية كبرى، خلال العام، بحسب غولدمان ساكس.
وتزداد أهمية هذه المكاسب عند النظر إلى ملكية الأسهم نفسها؛ فأغنى 20% من الأسر الأمريكية تمتلك قرابة 90% من ثروة سوق الأسهم؛ وفق بيانات "الاحتياطي الفيدرالي"، ما يعني أن الجزء الأكبر من الزيادة في قيمة هذه الأصول يذهب إلى الأسر الأكثر ثراءً، وفق "واشنطن بوست".
وتنعكس هذه المكاسب على الاستهلاك؛ إذ نما إنفاق أغنى 20% من الأسر خلال السنوات الثلاث الماضية بنحو 3 أضعاف معدل النمو لدى الـ80% الأخرى، وفق بيانات موديز أناليتكس.
ويقول كبير اقتصادييها مارك زاندي إن ارتفاع الثروة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي منح الأسر الأكثر ثراءً مساحة أكبر للإنفاق على الرفاهيات، بينما أضعف التضخم القوة الشرائية لبقية الأسر.
القلق ينتقل من الثروة إلى العمل
وتتخطى المخاوف ملكية الأسهم إلى توزيع الدخل؛ فقد حصل العاملون هذا العام على أكثر قليلاً من نصف الناتج الاقتصادي الأمريكي في صورة أجور ومزايا، وهي أصغر حصة من الدخل القومي تذهب إلى العمال خلال 79 عاماً، بحسب بيانات وزارة التجارة.
ويحذر دارون عاصم أوغلو، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد 2024، من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يزيد عدد أصحاب المليارات بالتزامن مع انخفاض الدخول الحقيقية لبعض الأسر، مستشهداً بتأثير الأتمتة سابقاً على بعض العمال.
الوعد بالمساواة لم يسقط بعد
في المقابل لا تقدم المؤشرات حكماً نهائياً. فقد ساعدت أدوات الذكاء الاصطناعي أمريكيين عاديين على تأسيس شركات وتنفيذ أعمال مثل التسويق والأعمال الورقية، بينما يرى باحثان اقتصاديان من جامعة هارفارد أن التكنولوجيا يمكن أن تقلل الفجوة إذا رفعت إنتاجية العمال الأقل خبرة ومتوسطي الدخل وخفضت تكلفة الخدمات التي يعتمدون عليها.
لكن توزيع هذه المكاسب لن يتحدد بالتكنولوجيا وحدها، فقد دعا مسؤولون تنفيذيون في شركة بريدج ووتر أسوشيتس إلى فرض ضرائب على استخدام الذكاء الاصطناعي وإعادة توزيع جزء من الثروة الناتجة عنه، محذرين من تداعيات تركّزها.
ولا تزال التجربة في بدايتها، فالذكاء الاصطناعي لم يرفع البطالة على نطاق واسع حتى الآن؛ لكن المؤشرات الحالية تكشف أن التكنولوجيا دخلت اقتصاداً كانت الثروة فيه مركزة بالفعل، ما يجعل السياسات التي ستنظم مكاسبها عاملاً أساسياً في تحديد ما إذا كان وعدها بتوسيع الفرص سيتحقق، أم تتحول إلى قوة إضافية تدفع الثروة نحو القمة.