أحد أعداد صحيفة "وول ستريت جورنال" (رويترز)
أحد أعداد صحيفة "وول ستريت جورنال" (رويترز)
السبت 29 أغسطس 2026 / 14:35

"وول ستريت جورنال" تعتمد الـAI في المقالات.. اختبار جديد لمعايير الصحافة

أعطت صحيفة "وول ستريت جورنال" كتّاب الرأي الضوء الأخضر للاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابة مقالاتهم دون الكشف عن ذلك، بعدما خلصت إلى أن المعيار الأهم هو أن يعكس النص موقف صاحبه وأفكاره الحقيقية، لا الطريقة التي صيغ بها.

يرى محللون أن واقعة دروكنميلر تفتح نقاشاً أوسع حول الطريقة التي يتغير بها دور الكاتب مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى عملية الكتابة، لا سيما مع اتساع نطاق المهام التي يمكن أن تؤديها هذه الأدوات، سواء في مراجعة اللغة وصقل العبارات أو ترتيب الأفكار والمحاور وطرق عرضها.

وأثار القرار اهتماماً واسعاً عقب نشر الملياردير والمستثمر الأمريكي ستانلي دروكنميلر مقالاً في قسم الرأي بالصحيفة انتقد فيه وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، قبل أن يتحوّل أسلوب المقال نفسه إلى موضع جدل، بعدما رأى القراء أن بعض صياغاته تحمل بصمات واضحة للكتابة بالذكاء الاصطناعي.

وتداول مستخدمون تحليلات لأدوات متخصصة في اكتشاف النصوص المولّدة آلياً، مشيرين إلى عبارات وتراكيب اعتبروها من السمات الشائعة في النصوص التي تنتجها نماذج مثل "Claude".

من كتب المقال؟

بعد تصاعد الجدل، أكد دروكنميلر، البالغ من العمر 73 عاماً،  أنه استخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في كتابة المقال وصياغة أفكاره.

وقال الملياردير الشهير في تصريحات نشرتها الصحيفة نفسها، إنه يستخدم الذكاء الاصطناعي في الكتابة كما يستخدم الآلة الحاسبة في حل المسائل الحسابية، مضيفاً أنه لا يرى سبباً يجعل استخدامه لهذه الأدوات أمراً ذا صلة بالمقال، طالما أن النص يعبّر عن أفكاره وموقفه.

كما شدّد على أن اسمه هو الموجود على المقال وأن الرسالة التي يتضمنها تعبّر عن مواقفه وأفكاره التي يرددها منذ 15 عاماً، وهذا أهم ما في الأمر.

الكمال آفة التسويق.. هكذا رفع الذكاء الاصطناعي سعر الكتابة البشرية - موقع 24أغرق الذكاء الاصطناعي العالم بالمحتوى، حتى بدا وكأنه حقق الحلم الذي طالما راود شركات الإعلام والتسويق؛ بعدما جمع بين إنتاج النصوص في ثوانٍ، وتكلفة صفرية، وسرعة لا ينافسها كاتب.

مفاجأة من قلب الصحيفة

ما أعطى الواقعة وزناً أكبر كان موقف "وول ستريت جورنال"، التي تبيّن أنها لا تلزم كتّاب الرأي بالإفصاح عن استعانتهم بالذكاء الاصطناعي في كتابة مقالاتهم. 

ودافع بول جيجوت، محرر قسم الرأي في الصحيفة، عن هذا النهج، معتبراً أن القضية الأساسية هي أن يعكس المقال رأي صاحبه الحقيقي، وأن يكون الكاتب مؤهلاً وموثوقاً لطرح هذا الرأي.

وقال جيجوت إن الذكاء الاصطناعي أصبح "حقيقة من حقائق الحياة الحديثة"، لذلك من الطبيعي أن يستخدمه الناس للمساعدة في أعمالهم وكتاباتهم، سواء في البحث أو التدقيق اللغوي أو التحرير وغيرها من المهام.

وأوضح أن معيار الصحيفة يتمثل في التأكد من أن ما تنشره من مقالات المساهمين يعكس أفكارهم الأصلية، وأن لديهم المكانة والمصداقية التي تؤهلهم لطرحها، مشيراً إلى أن علاقة الصحيفة الطويلة بدروكنميلر تجعلها واثقة من أن المقال يعبّر عن رأيه الحقيقي.

انقسام الصحف الكبرى

بهذا الموقف وضعت "وول ستريت جورنال" نفسها في اتجاه مغاير لمؤسسات إعلامية كبرى لا تزال تتعامل بحذر مع استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمحتوى يُنشر باسم كتّاب ومساهمين من خارج فريق عمل الصحيفة.

ويظهر الفرق بوضوح في موقف "فايننشال تايمز" التي أضافت مؤخراً تنويهاً إلى مقال رأي كتبه أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد ريكاردو هاوسمان، بعدما تبيّن أن الأخير استعان بالذكاء الاصطناعي لاختصار مسودة أطول قبل إرسالها إلى الصحيفة، بينما تنص قواعدها التحريرية على حظر استخدام الذكاء الاصطناعي في عملية الكتابة.

أما "نيويورك تايمز" فاتخذت موقفاً أكثر تشدداً تجاه مساهميها من خارج طاقمها، مؤكدة أن المقالات التي يقدمها الكتّاب المستقلون يجب أن تكون نتاج الإبداع والعمل البشري فقط، وأن تعكس كتاباتهم وأعمالهم الأصلية.

"مجزرة بيبلوغرافيا".. لماذا تشتري شركات الذكاء الاصطناعي الكتب المستعملة ثم تمزقها؟ - موقع 24تغيّرت أشياء كثيرة مع صعود الذكاء الاصطناعي، لكن أحد أكثر التحولات غرابة كان ما حدث في سوق الكتب المستعملة، حيث عُقدت صفقات شراء سريعة في غضون أشهر قليلة، وسُحبت كميات ضخمة من الأسواق دون أن تصل إلى يد قارئ واحد.

الكاتب أم الأداة؟

يرى محللون أن واقعة دروكنميلر تفتح نقاشاً أوسع حول الطريقة التي يتغير بها دور الكاتب مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى عملية الكتابة، لا سيما مع اتساع نطاق المهام التي يمكن أن تؤديها هذه الأدوات، سواء في مراجعة اللغة وصقل العبارات أو ترتيب الأفكار والمحاور وطرق عرضها.

وتبدو المسألة أكثر حساسية في مقالات الرأي، حيث تمثل طريقة بناء الحجة جزءاً أساسياً من قيمة النص، لأنه عندما يقترح الذكاء الاصطناعي زاوية معينة للموضوع أو يعيد ترتيب الحجج لتصبح أكثر إقناعاً، يصبح من الصعب تحديد المسافة التي تفصل بين صاحب الرأي والأداة التي ساعدته على التعبير عنه.

ومع هذا الموقف يصبح معيار "الأصالة" في الكتابة أكثر تعقيداً، لأن النص قد يظلّ وفيّاً لصاحبه من حيث الفكرة والسياق العام، بينما تمر صياغته من خلال أداة قادرة على إعادة ترتيب كلماته ومنحها شكلاً جذاباً، وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً في الصحافة عن صاحب النص الحقيقي، لكن بأدوات وظروف لم تكن موجودة من قبل.