الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينغ (رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينغ (رويترز)
الجمعة 4 سبتمبر 2026 / 18:19

خاص 24| مصر في حسابات الصناعة الصينية.. الوجه الاقتصادي لزيارة شي

حملت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في طياتها ما هو أبعد من البروتوكول السياسي، فاللقاءات التي استضافتها القاهرة على مدار الأيام الماضية جاءت امتداداً لسنوات من الشراكة التاريخية والاقتصادية، لكن توقيتها يضعها هذه المرة عند أعتاب مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين.

بالنظر إلى المشهد الاقتصادي العام، نجد مصر لا تقدّم سوقاً محلية كبيرة فحسب، وإنما موقعاً يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، وقناة السويس، ومنطقة صناعية صينية متنامية، إلى جانب شبكة من الاتفاقات التجارية التي يمكن أن تجعل المنتج المصنوع في مصر أكثر قدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

ولعل الاتفاقيات التي خرجت بها الزيارة تكشف بوضوح عن طبيعة تلك المرحلة، حيث يتجه التعاون الاقتصادي بينهما إلى بناء قاعدة صناعية متكاملة، تمنح مصر موقعاً أكثر حضوراً في الخريطة العالمية.

زيارة تحمل ملامح التحول الصناعي

ومن بين الاتفاقيات الموقعة مذكرة للتعاون في سلاسل الصناعة والإمداد، وأخرى في تكنولوجيا المعلومات، إلى جانب مذكرة لتطوير الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

كما شملت أكثر من 20 وثيقة تعاون إضافية في مجالات التكنولوجيا والتمويل والاقتصاد الرقمي والمواصلات وغيرها.

واتفق البلدان أيضاً على بحث توطين صناعات جديدة في مصر، مثل السيارات الكهربائية والألواح الشمسية وأبراج الرياح والتكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات ومراكز البيانات، إلى جانب تشجيع المؤسسات المالية على دعم الاستثمارات الصناعية ومشروعات التحول الأخضر والرقمي.

الأمر الذي يعني أن الصين لا تعزز وجودها في مصر فقط، وإنما تعمل على توسيع نوعية هذا الوجود، من مشروعات البنية الأساسية إلى الإنتاج والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والتصدير. 

وهي النقلة التي تراهن عليها القاهرة أيضاً لزيادة القيمة المضافة المحلية وتحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة صناعية.

صور الرئيس المصري ونظيره الصيني في شوارع القاهرة (رويترز)

التمدد الاقتصادي الصيني في مصر

​لا ينبغي قراءة هذا المنعطف في حدود الجدول الزمني للزيارة الحالية، بل ضمن سنوات من التوسع الاقتصادي المتواصل، بدأت مع تأسيس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في 2014، لتصل استثمارات 2800 شركة صينية في مصر إلى 8 مليارات دولار.

والأهم من الرقم نفسه هو أنه جرت عملية إعادة توجيه لهذه الاستثمارات من البنية التحتية إلى التصنيع، والتصدير، وتوطين التكنولوجيا. 

وتقود شركة GAC هذا الاتجاه باعتزامها استثمار 300 مليون دولار لبناء مصنع سيارات في مصر، كما افتتحت "أوبو" أول منشأة تصنيع لها في مصر باستثمار مبدئي يتجاوز 20 مليون دولار، مع خطة لرفع الاستثمارات إلى 50 مليون دولار. 

وفي قطاع الإطارات، بدأت شركة سايلون الصينية إنشاء مصنع في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات تصل إلى مليار دولار، على أن تبدأ المرحلة الأولى من التشغيل خلال 2026، بطاقة إنتاجية تبلغ 3 ملايين إطار لسيارات الركوب و600 ألف إطار للشاحنات والحافلات سنوياً.

لماذا مصر تحديداً؟

بالنظر إلى المشهد الاقتصادي العام، نجد مصر لا تقدّم سوقاً محلية كبيرة فحسب، وإنما موقعاً يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، وقناة السويس، ومنطقة صناعية صينية متنامية، إلى جانب شبكة من الاتفاقات التجارية التي يمكن أن تجعل المنتج المصنوع في مصر أكثر قدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

فعلى سبيل المثال، الاتفاقية المصرية الأوروبية، المطبقة منذ 2004، أنشأت منطقة تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي وألغت الرسوم على المنتجات الصناعية المستوفاة للشروط. 

كما تفتح مصر أمام المستثمرين باباً آخر إلى السوق الأمريكية، من خلال نظام المناطق الصناعية المؤهلة (QIZ)، الذي يتيح للمنتجات المستوفية لشروطه دخول الولايات المتحدة دون رسوم جمركية.

وتضاف إلى ذلك عضوية مصر في اتفاقيات إفريقية، على رأسها الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ما يعزز موقعها كقاعدة يمكن من خلالها خدمة أكثر من سوق بدلاً من الاكتفاء بالسوق المحلية.

وعن هذا الأمر، يؤكد الخبير الاقتصادي سمير رؤوف أن الاستفادة الحقيقية لمصر من انتقال الصناعات الصينية تكمن في ما يمكن أن تجرّه هذه الاستثمارات من تكنولوجيا ومكونات جديدة إلى السوق المحلية، خاصةً في السيارات التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الرقائق والذكاء الاصطناعي والرادارات.

ويشير "رؤوف" في حديثه لـ"24" إلى أن وجود هذه المكونات والتكنولوجيات في مصر يمكن أن يخلق تكاملاً مع الصناعات القائمة، بحيث لا تظل الاستثمارات الصينية مشروعات منفصلة، وإنما تصبح نواة لسلاسل إنتاج أوسع ترفع نسبة المكون المحلي وتدعم قدرة مصر على التصدير.

أعلام مصر والصين تزيّن الطرق المصرية (رويترز)

هل يمكن اعتبارها مواجهة للرسوم الأمريكية؟

تصاعد الرسوم الأمريكية على المنتجات الصينية يضيق عليها المساحات الاقتصادية في الأسواق العالمية، ويجعل تنويع مواقع الإنتاج أكثر أهمية، لذلك تجد بكين في مصر وغيرها من الدول مظلة آمنة للإنتاج والتصدير.

لكن ذلك لا يعني أن كل مصنع صيني يأتي إلى مصر بهدف الالتفاف على الرسوم الأمريكية.

بتعبير آخر؛ الشركات الصينية تعيد توزيع جزء من سلاسل إنتاجها عالمياً لتقليل الاعتماد على التصنيع داخل الصين. ومصر تدخل هذه المعادلة لأنها تجمع بين الموقع الجغرافي، وقناة السويس، والبنية الصناعية، والحوافز، والاتفاقات التجارية.

كما تجد القاهرة في المقابل فرصتها الذهبية للتحول من سوق للاستهلاك إلى مركز للإنتاج.

هل تعبر الصين لإفريقيا من بوابة مصر؟

منذ مايو (أيار) 2026، بدأت الصين تطبيق إعفاء جمركي كامل على واردات من 53 دولة إفريقية، في خطوة تستهدف زيادة التجارة مع القارة، التي بلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين الصين 348 مليار دولار في 2025.

وفي ظل توسع بكين في السوق الإفريقية تزداد أهمية مصر لديها، نظراً لامتلاكها علاقات تاريخية ممتدة مع الدول الإفريقية، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي على البحرين الأحمر والمتوسط وقناة السويس، إلى جانب عضويتها في الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ما يمنحها إمكانية الربط بين الإنتاج الصيني والأسواق الإفريقية.

الخبير الاقتصادي سمير رؤوف - الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس

وفي هذا الشأن، ترى الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس أن مصر بإمكانها التحول إلى نقطة لتجميع المنتجات الصينية وتخزينها وإعادة تصديرها إلى الأسواق الإفريقية، مستفيدة من موقعها وشبكة علاقاتها داخل القارة السمراء. 

وتضيف "رمسيس" في حديثها لـ"24"، أن تنفيذ مراحل من دورة الإنتاج داخل مصر سيمنح الشركات الصينية مرونة أكبر في الوصول إلى أسواق المنطقة. 

كما أن توسيع التبادل التجاري بين مصر والصين بالعملات المحلية يمكن أن يخفف الاعتماد على الدولار في جزء من التجارة الثنائية، ويفتح مساراً إضافياً أمام تعميق العلاقات الاقتصادية بين البلدين.