رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي (رويترز)
الإثنين 14 سبتمبر 2026 / 09:25
تجري كندا محادثات مع الاتحاد الأوروبي للمشاركة في قرض بقيمة 90 مليار يورو مخصص لدعم أوكرانيا، في خطوة تعكس توجه رئيس الوزراء مارك كارني نحو تعميق العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية مع أوروبا وتقليص اعتماد بلاده على أمريكا، وتسعى أوتاوا وبروكسل إلى الاتفاق على حجم المساهمة الكندية قبل القمة المرتقبة بين كندا والاتحاد الأوروبي في مونتريال نهاية أكتوبر (تشرين الأول).
وبحسب صحيفة فاينانشال تايمز، فإن المساهمة الكندية لم تُحسم بعد، لكن المفاوضات تستهدف التوصل إلى اتفاق قبل القمة الأوروبية الكندية في مونتريال، بما يمنح أوتاوا دوراً مباشراً في أحد أكبر برامج التمويل الدولي لأوكرانيا.
تأتي المشاركة الكندية المحتملة ضمن برنامج الدعم الأوروبي لأوكرانيا، الذي تبلغ قيمته 90 مليار يورو، ويهدف إلى توفير التمويل اللازم للحكومة الأوكرانية في ظل ارتفاع تكاليف الحرب مع روسيا وتزايد احتياجاتها الدفاعية والمالية.
وكان الاتحاد الأوروبي قد أطلق برنامج القرض في وقت سابق من العام، فيما حصلت أوكرانيا في يونيو (حزيران) على أول دفعة منه، ويُخصص جزء كبير من التمويل لتلبية الاحتياجات الدفاعية، بما يشمل أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والذخائر والرادارات، إذ تعد بريطانيا حتى الآن الدولة غير العضو الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي شاركت في القرض.
أوتاوا تعيد رسم علاقاتها التجارية
ولا ينفصل التحرك الكندي عن استراتيجية أوسع يتبناها كارني لإعادة توزيع علاقات بلاده الاقتصادية والاستراتيجية بعيداً عن الاعتماد الكبير على أمريكا، خصوصاً بعد انهيار مفاوضات تجارية بين واشنطن وأوتاوا وتصاعد التوترات التجارية بين البلدين.
وتسعى كندا في المقابل إلى توسيع تعاونها مع الاتحاد الأوروبي في قطاعات ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية، من بينها التجارة الرقمية والذكاء الاصطناعي والمواد الخام الحيوية والطاقة والتقنيات النظيفة، إلى جانب التعاون في مجالات الأمن والدفاع والأنظمة المالية.
كما تستعد كندا للانضمام إلى شبكة حواسيب فائقة أوروبية لتعزيز التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع العمل على اتفاق للتجارة الرقمية.
وتعكس هذه الخطوات محاولة أوتاوا بناء شبكة أوسع من الشراكات مع الاقتصادات المتقدمة، في وقت تواجه فيه الشركات الكندية مخاطر مرتبطة بالاعتماد التاريخي على السوق الأمريكية.
شراكة طويلة الأمد مع كييف
وتزامن التحرك بشأن القرض الأوروبي مع توقيع كندا وأوكرانيا الأسبوع الماضي اتفاق "شراكة لمدة 100 عام"، يهدف إلى توسيع التعاون بين البلدين في مجالات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا والتجارة وإعادة الإعمار.
وكانت كندا قد خصصت 6.5 مليار دولار كندي للمساعدات العسكرية لأوكرانيا، في حين تكثف أوتاوا تعاونها مع كييف في قطاعات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا. وجاء الاتفاق طويل الأمد خلال لقاء كارني بالرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي في كندا، في وقت تواجه فيه أوكرانيا فجوة متزايدة في تمويل موازنتها نتيجة استمرار الحرب.
طموح كندي لعلاقة أعمق مع أوروبا
ويمتد طموح كارني إلى ما هو أبعد من المشاركة في تمويل أوكرانيا، إذ طرحت حكومته فكرة إقامة صيغة أكثر قرباً من "العضوية المرتبطة" بالاتحاد الأوروبي، بما يسمح بتوسيع التعاون الاقتصادي والسياسي من دون الانضمام إلى الاتحاد.
لكن مسؤولين أوروبيين يحذرون من أن كندا لا يمكنها توقع الحصول على المستوى نفسه من الامتيازات التي تتمتع بها دول مثل النرويج وسويسرا، نظراً لاختلاف مساهماتها المالية وعلاقاتها المؤسسية مع الاتحاد الأوروبي.
كما أن نحو 10 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي لم تصادق بعد على اتفاق التجارة مع كندا، الذي دخل حيز التنفيذ بصورة مؤقتة في 2017، بسبب مخاوف مرتبطة بتأثير الواردات الزراعية الكندية على المزارعين الأوروبيين.
أوروبا تبحث عن شريك استراتيجي جديد
ورغم العقبات، يرى مسؤولون أوروبيون أن بروكسل تسعى إلى إقامة "أقرب علاقة ممكنة" مع كندا، خصوصاً في ظل تغير البيئة الاقتصادية والأمنية العالمية.
وتظل أمريكا الشريك التجاري الأكبر لكندا، إذ تستحوذ تاريخياً على نحو 75% من صادراتها من السلع، في علاقة تجارية تبلغ قيمتها نحو 620 مليار يورو سنوياً، مقابل تجارة أوروبية كندية بلغت نحو 130 مليار يورو في 2025.
ويعني ذلك أن تحول كندا نحو أوروبا لا يمثل بديلاً سريعاً للسوق الأمريكية، لكنه يعكس محاولة استراتيجية لتنويع الشركاء وتقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد على سوق واحدة.
وتشير تحركات أوتاوا إلى أن ملف أوكرانيا أصبح جزءاً من إعادة صياغة أوسع للعلاقات الاقتصادية بين كندا وأوروبا، حيث تستخدم الحكومة الكندية الدعم المالي لكييف كإحدى أدوات بناء شراكة أطول مدى مع الاتحاد الأوروبي، في وقت تبحث فيه الدولتان عن بدائل وشبكات تعاون جديدة وسط تحولات متسارعة في النظام التجاري العالمي.