مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (أرشيف)
مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (أرشيف)
الأربعاء 16 سبتمبر 2026 / 13:51

المصارف المركزية العربية في مواجهة قرار "الفيدرالي".. تحديات ربط العملة وتأثير الديون

يستعد صُنّاع السياسات النقدية في العواصم العربية للتعامل مع التداعيات المترتبة على قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المتعلق برفع أسعار الفائدة المقرر إعلانه اليوم الأربعاء.

وتأتي هذه الاستعدادات في وقت تُجمع فيه الأسواق المالية العالمية على خيار الرفع، إذ تُشير التوقعات بنسبة تتجاوز 90% إلى أن "الفيدرالي" سيتجه الليلة نحو تشديد نقدي إضافي، عبر رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية ليصل نطاقها الجديد إلى ما بين 3.75% و4%، وذلك بهدف كبح معدلات التضخم المستمرة.

ولن تقتصر آثار الزيادة المرتقبة في أسعار الفائدة على الداخل الأمريكي، بل ستمتد تداعياتها مباشرة لتُعيد رسم السياسات المالية في المنطقة العربية، نظراً للارتباط الهيكلي الوثيق بين الاقتصادات العربية والمنظومة النقدية المقومة بالدولار.

بنوك الخليج

تتصدر البنوك المركزية لدول مجلس التعاون الخليجي المشهد بصفتها الطرف الأكثر ارتباطاً بالقرار الأمريكي.

وتجمع تقارير الاستقرار النقدي الصادرة عن صندوق النقد العربي على أن بنوك الخليج لا تملك هوامش واسعة للمناورة النقدية، نظراً لربط عملاتها الوطنية بالدولار (باستثناء الدينار الكويتي المربوط بسلة عملات ترجح فيها كفة الدولار).

ويُتوقع أن يسارع كل من البنك المركزي السعودي (ساما)، ومصرف الإمارات المركزي، ومصارف قطر والبحرين وعُمان، إلى مواءمة أسعار الفائدة المحلية برفعها بمقدار 25 نقطة أساس  فور صدور القرار الأمريكي.

ويهدف هذا الإجراء الوقائي التلقائي إلى الحفاظ على جاذبية الودائع بالعملات المحلية، ومنع حدوث أي فجوة عائد سلبية قد تدفع برؤوس الأموال نحو السندات أو الأصول الدولارية.

وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة لحماية الاستقرار النقدي، إلا أن التحليلات المصرفية الصادرة عن "كابيتال للاستثمارات" تشير إلى كلفة موازية، فاستمرار وتيرة الرفع مع بقاء أسعار النفط فوق مستويات 100 دولار للبرميل، يفرض ضغوطاً تصاعدية على كلفة التمويل الداخلي، ما يؤثر طردياً على وتيرة نمو القطاعات الاقتصادية غير النفطية، ويزيد من كلفة تمويل المشاريع الكبرى في المنطقة.

مصر والأردن

تبدو زوايا التأثير لقرار رفع أسعار الفائدة  أكثر تعقيداً في أسواق المشرق العربي وشمال أفريقيا، لا سيما في مصر والأردن.

وفي الأردن يتابع البنك المركزي مؤشرات الفيدرالي بدقة. إذ يحافظ الأردن على ربط ثابت ومستقر للدينار بالدولار كدعامة أساسية للاستقرار النقدي، ما يعني أن أسعار الفائدة المحلية ستتحرك صعوداً بالتبعية.

وتشير التقديرات الاقتصادية المحلية إلى أن هذا الارتفاع سيزيد من الكلف الائتمانية على القطاع الخاص والأفراد، ما يضع قيوداً على مستويات الاستهلاك والسيولة الموجهة لبورصة عمان.

وفي مصر يعمل البنك المركزي في بيئة نقدية مختلفة، إذ يتزامن القرار الأمريكي مع محاولات مستمرة لإعادة بناء التدفقات النقدية بعد تحرير سعر الصرف.

ومع تجاوز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات مستوى 5%، تزداد جاذبية الأسواق المتقدمة أمام المستثمرين الدوليين. هذا الأمر يجبر الإدارة النقدية في مصر على الإبقاء على معدلات فائدة محلية مرتفعة جداً للحفاظ على تنافسية أدوات الدين الحكومية، وهو ما ينعكس مباشرة في زيادة فاتورة خدمة الدين العام داخل الموازنة العامة للدولة.

ضغوط العرض والخيارات النقدية

ويرى الخبير المصرفي والمالي، بدر سرحان  أن "لجوء الفيدرالي لرفع  أسعار الفائدة يضع الاقتصاد الإقليمي أمام معادلات صعبة". ويشير إلى "أن إدارة كيفن وارش، الحالية تواجه ضغوطاً تضخمية متأصلة ناتجة في الأصل عن صدمات جانب العرض، وارتفاع كلف الطاقة المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط".

ويوضح "أن التشديد النقدي عبر رفع الفائدة قد لا يكون الأداة المثالية لعلاج تضخم ناشئ عن سلاسل الإمداد، بل إنه يفرض كلفة إضافية على مناخ الاستثمار العربي عبر تقييد حركة القروض التوسعية للشركات".

ويؤكد "أن الأسواق العربية استوعبت عملية رفع الفائدة وضمنته في أسعار الأصول بنسبة كبيرة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الغموض الذي يكتنف التوجهات المستقبلية لما بعد اجتماع الفيدرالي". فإذا أشار وارش إلى استمرار التشدد، فإن ذلك سيعني استمرار تباطؤ نمو الائتمان التجاري في المنطقة حتى نهاية العام الجاري.

حركة الثروات

وبحسب  بيانات  صادرة عن  "بلومبرغ "، فإن  تداعيات قرار رفع الفائدة تمتد مباشرة إلى بنية الاستثمارات العربية. بالتوازي مع ذلك، ترصد مراكز البحوث المالية احتمالات لضغوط تسييل مؤقتة في البورصات العربية (مثل السوق المالية السعودية وبورصة عمان)، مدفوعة بتراجع هوامش ربحية الشركات المدرجة نتيجة ارتفاع كلفة خدمة ديونها البنكية، واتجاه شريحة من المستثمرين لتسييل الأصول ذات المخاطر (الأسهم) لصالح الاستثمار الآمن في الودائع وأدوات الدين ذات العوائد المرتفعة والمضمونة.

اختبار جديد

تؤكد المعطيات النقدية الحالية أن العواصم العربية، برغم تباين ملاءتها المالية بين فوائض خليجية وتحديات هيكلية في دول أخرى، تظل مرتبطة بمسار السياسة النقدية الأمريكية.

وسيكون قرار "الفيدرالي" الليلة بمثابة اختبار جديد لمدى قدرة البنوك المركزية العربية على الموازنة بدقة بين متطلبات الدفاع عن استقرار العملة الوطنية وبين كبح كلف الإقراض لضمان استمرار النمو الاقتصادي.