طائرة تابعة لخطوط الطيران الإيرانية (أ ف ب)
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 / 20:06
في مشهد يعيد إلى الأذهان العزلة الجوية الصارمة التي فرضت قبل قرابة أربعة عقود على بغداد، تواجه المنطقة فصلاً جديداً من حصار الأجواء و"تهبيط" النقل الجوي في إيران في سياق العقوبات الأمريكية المتصاعدة على هذا البلد.
ويزداد "الخنق" الأمريكي تجاه الاقتصاد الإيراني يوما بعد يوم؛ إذ يطال هذه المرة الملاحة الجوية التي تمر بحقبة هي الأشد في تاريخها، بعد فرض الخزانة الأمريكية عقوبات ضد شركات الطيران الإيرانية إلى جانب معاقبة أي جهات تسعى لمساعدتها على تخطّي حرمانها من استخدام نظام الدولار. ويهدد الإجراء الأمريكي الأخير بشل قطاع الطيران التجاري في إيران بعد عقود من الحصار المتدرج.
القرارات التي أعلنها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، أمس، لا تكتفي بفرض حظر على أسطول طهران الجوي، بل تمتد لتضع مطارات العالم وشركات الخدمات الأرضية والموردين أمام خيارين إما قطع أشكال التعامل مع الناقلات الإيرانية أو الطرد الفوري من النظام المالي والمصرفي العالمي بالدولار.
كيف ستتأثر خطوط الطيران الإيرانية؟
تستهدف الحظر والتدابير الأمريكية 27 شركة طيران إيرانية بينها "إيران إير" و"ماهان إير" و"إيران آسمان"، بالإضافة إلى شبكات وسيطة في عدة دول تقدم الدعم اللوجستي وقطع غيار للطائرات الإيرانية.
حرمان الطائرات الإيرانية من خدمات الموانئ الجوية، يشمل التزود بالوقود أو الحصول على خدمات التوجيه والمناولة الأرضية والتفريغ في معظم المطارات الدولية، خوفاً من التبعات الأمريكية على مشغلي تلك المطارات، بحسب القيود الأمريكية.
كما تُعزل الطائرات الإيرانية عن أنظمة الحجز العالمية من خلال منع شركات ووكالات السفر الدولية إصدار أو معالجة تذاكر الناقلات الإيرانية، ما يقطع تدفقات الإيرادات المالية بالعملات الأجنبية. وتُجمد أيضاً برامج الصيانة وتغلق منافذ التوريد الملتوية التي كانت تُستخدم للالتفاف على حظر قطع غيار "إير باص"، و"بوينغ"، ما يرفع مخاوف السلامة التشغيلية حتى للرحلات الداخلية، بحسب شبكة "سي إن بي سي".
ومن المتوقع انسحاب الشركات الأجنبية من أجواء إيران، إذ أوقفت شركات عالمية وإقليمية مثل لوفتهانزا والخطوط الإسترالية والخطوط التركية وغيرها، رحلاتها إلى طهران.
كيف سيتصرف المواطنون الإيرانيون؟
أمام هذا الإغلاق شبه الكامل للجو، يجد ملايين الإيرانيين وبخاصة المغتربون والطلاب والعمال أنفسهم أمام خيارات سفر معقدة ومكلفة للغاية.
ومن المتوقع أن يتزايد الإقبال على السفر البري عبر الحافلات أو السيارات الخاصة باتجاه الحدود مع الدول المجاورة مثل تركيا، أرمينيا والعراق، تمهيداً للانتقال إلى مطارات تلك الدول واستكمال الرحلات جوياً، بحسب موقع "إيران إينترناشونال".
وتستغرق الرحلة البرية من طهران إلى مدينة فان التركية الحدودية على سبيل المثال قرابة 17 ساعة، لتصل المدة الإجمالية للوصول إلى وجهة أوروبية أو إقليمية إلى أكثر من 30 ساعة سفر مستمرة.
كما يبحث مسافرون عن منافذ محدودة للغاية لا تزال تتيح خطوطاً غير مباشرة عبر دول لم تتخذ موقفاً صارماً بعد تجاه إيران، رغم القيود المباشرة على حركة الطيران وارتفاع أسعار التذاكر إلى مستويات قياسية نتيجة خنق المعروض.
ما الفارق بين حظر العراق 1990 وإيران 2026؟
رغم اختلاف الحقبتين والشرعيات القانونية لكل قرار، إلا أن النتيجة الميدانية تتشابه في شلل جوي تام، وتقطع السبل بملايين المسافرين والزوار الذين يفتشون عن منافذ برية وسُبل بديلة للعبور.
الحظر الجوي على العراق (1990 – 2003)؛ اعتمد على شرعية دولية ومظلة أممية كاملة بموجب القرار رقم 661 والقرارات اللاحقة الصادرة عن مجلس الأمن. ولم يقتصر الأمر على الجانب المدني والتجاري، بل شمل فرض "مناطق حظر طيران عسكرية" في شمال البلاد وجنوبها بدعم عسكري مباشر من تحالف دولي بقيادة واشنطن ولندن لمنع تحليق أي طائرة عراقية.
أما في حظر إيران 2026، تحرّكت وزارة الخزانة الأمريكية بشكل منفرد عبر آلية "العقوبات الثانوية الصارمة. ولم تعترض واشنطن المقاتلات الإيرانية في الجو، بل لوّحت بإصدار عقوبات وإبعادٍ فوري من نظام الدولار العالمي لكل مطار أو شركة تقدم خدمات التزويد بالوقود، الصيانة، أو بيع التذاكر للشركات الإيرانية، ما دفع دول والشركات الإقليمية والدولية لإلغاء رحلاتها تباعاً.
وأثناء الحظر العراقي تحولت مدينة عمان خلال تسعينيات القرن الماضي إلى العاصمة الجوية البديلة للعراق. وأنشأ المسافرون والمغتربون شبكة نقل برية عملاقة اعتمدت على سيارات النقل الرباعي، لقطع مئات الكيلومترات عبر منفذ "طريبيل" الحدودي. كما اضطر الحجاج العراقيون لسلوك مسارات صحراوية شاقة برّاً باتجاه الديار المقدسة، واعتمد الجميع على الشحن البري للبضائع والمراسلات بدلاً من البريد الجوي المعطل.
وفي تجربة إيران ومع توقف حركة الطيران، من المتوقع أن يزحف ملايين الزوار والمغتربين صوب المنافذ البرية المشتركة بين إيران ودول الجوار مثل معابر زرباطية ومهران، الشلامجة، والمنذرية، ما يؤدى إلى اختناقات مرورية وطوابير غير مسبوقة.
تصنيف الطيران الإيراني عالمياً
تصنف خطوط الطيران الإيرانية وفق عدة معايير عالمية بما فيها تقييم جودة الخدمات بحسب مؤسسة Skytrax. وتصنّف شركة إيران للطيران في مستوى ثلاث نجوم من خمس، وهو تقييم يعني أن جودة الخدمة، المقاعد، الوجبات والخدمات الأرضية تُعد متواضعة إلى متوسطة مقارنة بغيرها.
وخرجت الخطوط الإيرانية من قائمة أفضل 100 شركة طيران عالمياً، فيما تغيب جميع الشركات الإيرانية تماماً عن تصنيف أفضل 100 شركة طيران في العالم الصادر سنوياً عن جوائز Skytrax World Airline Awards.
ويندرج الناقل الوطني "إيران للطيران" وشركات أخرى إيرانية ضمن مستويات سلامة منخفضة نسبياً مقارنة بالمعدلات العالمية، والسبب الرئيس يعود إلى تقادم أسطول الطائرات والتحديات المستمرة في الحصول على قطع غيار أصلية وتحديثات تقنية وشراء طائرات حديثة جراء العقوبات الاقتصادية المفروضة على قطاع الطيران الإيراني لعقود.
وتُصنف العديد من طائرات أسطول "إيران للطيران" ضمن قائمة الشركات المخاطرة تنظيمياً لدى وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي، ما يفرض قيوداً صارمة على الطائرات المسموح لها بالتحليق نحو أوروبا.
وبين 28 فبراير (شباط) والثامن من أبريل (نيسان) الماضيين، تضررت نحو 100 طائرة بعضها بشكل كامل جراء الحرب الأمريكية، وفق تصريح سابق لوزيرة الطرق والتنمية الحضرية الإيرانية فرزانه صادق.
وحسب المسؤولة الإيرانية، فإن ثماني طائرات فقط من بين تلك التي دُمّرت بالكامل كانت صالحة للتشغيل قبل الهجمات، ولم تعلن الحكومة قائمة تفصيلية بالطائرات المتضررة أو درجة الضرر اللاحق بكل منها أو الكلفة الإجمالية لإصلاحها.
وقبل الحرب كان إجمالي أسطول الطيران الإيراني يقدر بين 250 و 300 طائرة مدنية وتجارية، بينها نحو 150 فقط نشطة وفق تصريحات سابقة لأمين جمعية شركات الطيران الإيرانية.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أضافت شركة المطارات والملاحة الجوية الإيرانية ست طائرات إلى الأسطول المدني؛ من بينها طائرة "سيمُرغ" الخفيفة محلية الصنع، التي تعد نموذجاً مطوراً من طائرة "إيران-140"، المبنية وفق طراز An-140 الأوكرانية.