طائرة من طراز إيرباص إيه310 تابعة لشركة الطيران الإيرانية "ماهان إير" (رويترز)
طائرة من طراز إيرباص إيه310 تابعة لشركة الطيران الإيرانية "ماهان إير" (رويترز)
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 / 16:42

إقلاع "بلا وجهة".. كيف تعزل واشنطن إيران عن أجواء العالم؟

تواجه شركات الطيران الإيرانية أحدث موجات عقوبات أمريكية، بعد تضييق واشنطن الخناق على شبكة الخدمات والتزويد اللازمة لأبقاء الطائرات الإيرانية في الجو، بدءاً من الوقود مروراً لوجستيات المطارات وصولاً إلى التأمين والصيانة وحوالات البنوك وبيع التذاكر.

سكوت بيسنت: "إذا هبطت الطائرات الإيرانية فلن يكون بإمكان أحد تزويدها بالوقود أو تقديم خدمات الهبوط إليها أو بيع تذاكرها، وإلا فسيُستبعد من نظام الدولار".

يأتي ذلك بعد تصريح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن "شركات الطيران الإيرانية ستتوقف عن العمل بدءاً من غد الموافق 23 سبتمبر (أيلول)، وإذا هبطت هذه الطائرات فلن يكون بإمكان أحد تزويدها بالوقود أو تقديم خدمات الهبوط إليها أو بيع تذاكرها، وإلا فسيُستبعد من نظام الدولار".

حزمة الإجراءات هذه لا تعني قانونياً إغلاق المجال الجوي العالمي أمام إيران، إذ لم يصدر قرار دولي يلزم جميع الدول بمنع الطائرات الإيرانية من الهبوط أو التحليق، ما يطرح تساؤلاً حيال قدرة العقوبات الأمريكية وحدها على عزل قطاع الطيران الإيراني.

عزلة تشغيلية 

يقول المتخصص في شؤون الأمن القومي والدراسات الإيرانية فراس إلياس لـ"24" إن "العقوبات الأمريكية تختلف عملياً وقانونياً عن تلك التي يقرها مجلس الأمن، إذ تفرض قرارات المجلس الملزمة التزامات دولية على الدول الأعضاء، بينما يستند قرار واشنطن إلى التشريعات الأمريكية فقط".

ويصف الخبير العراقي ما تسعى إليه واشنطن بأنه "عزلة تشغيلية"، أو "حصار تشغيلي أكثر منه حظراً جوياً تقليدياً"، موضحاً أن "الحظر الجوي يمنع الطائرة من الوصول قانونياً، بينما يجعل الحصار التشغيلي إقلاعها ممكناً نظرياً، لكنه يفرض صعوبات متزايدة في العثور على مطار أو شركة وقود أو بنك أو شركة تأمين أو جهة صيانة مستعدة لخدمتها".

ويستطيع الطيران الإيراني نظرياً مواصلة الرحلات الدولية طالما توجد دول تسمح لطائراته بالهبوط وشركات مستعدة لخدمتها. لكن اتساع العقوبات يعني ارتفاع كلف التشغيل والتأمين والصيانة، وتقلص الوجهات المتاحة، وتعقيد الحصول على قطع الغيار والخدمات الفنية.

العراق عاش حظراً مختلفاً

ويستحضر إلياس تجربة العراق، الذي أعلن امتثاله للإجراءات الحالية، لكنه عاش قبل أكثر من ثلاثة عقود تجربة مختلفة في أساسها القانوني. وبعد غزو الكويت، أصدر مجلس الأمن القرار 670 في 25 سبتمبر (أيلول) 1990، الذي فرض قيوداً ملزمة على الرحلات الجوية المرتبطة بالعراق والكويت ضمن منظومة العقوبات الدولية آنذاك.

وغياب قرار شامل من مجلس الأمن يعني أن واشنطن لا تستطيع، بحسب إلياس، إجبار دولة ذات سيادة مباشرة على إغلاق مطاراتها أمام الطائرات الإيرانية، لكنها تستطيع الضغط على الشركات والبنوك والوسطاء ومقدمي الخدمات.

وبحسب إلياس "هنا تظهر قوة العقوبات الثانوية، إذ تصبح الشركة الأجنبية أمام موازنة بين مكاسب التعامل مع ناقل إيراني والمخاطر التي قد تتعرض لها في علاقتها بالنظام المالي أو السوق الأمريكية".

هل تستطيع طهران الالتفاف؟

يقول إلياس إن "طهران تملك خبرة طويلة في استخدام شركات وسيطة وواجهات تجارية ودول ثالثة ومسارات لإعادة التصدير، خصوصاً للحصول على قطع الغيار والمعدات". لكن هذه الأساليب "لا تلغي تأثير العقوبات"، وإنما ترفع كلفة الالتفاف عليها وتعقّد العمليات، فضلاً عن تعريض الوسطاء أنفسهم لخطر العقوبات.

هل تفلت إيران؟

سبق لإيران نقل خلافها مع واشنطن إلى القضاء الدولي؛ إذ لجأت في 2018 إلى محكمة العدل الدولية بعد إعادة فرض العقوبات الأمريكية.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته، أمرت المحكمة الولايات المتحدة بإزالة العوائق أمام تصدير قطع الغيار والمعدات والخدمات الضرورية لسلامة الطيران المدني الإيراني، بما فيها خدمات الصيانة والإصلاح.

لكن إلياس يشدد على أن هذه السابقة لا تعني وجود مسار قانوني قادر تلقائياً على إلغاء منظومة العقوبات الحالية، إذ يرتبط أي تحرك جديد بشروط الاختصاص والأساس القانوني.

ويلخص إلياس تأثير الإجراءات الأمريكية بالقول: "نجاح هذه السياسة لا يقاس بعدد الطائرات التي تتوقف عن الإقلاع، وإنما بمدى تقلص شبكة الوجهات والخدمات التي يستطيع الطيران الإيراني الوصول إليها. وإذا اتسعت هذه العزلة، يصبح تأثيرها على المدى المتوسط أكثر فاعلية من مجرد إعلان حظر جوي رسمي".