متداولون داخل بورصة نيويورك (رويترز)
الأحد 27 سبتمبر 2026 / 11:30
تبدو الأسواق الأمريكية في الآونة الأخيرة كأنها تسير في اتجاهين متناقضين، إذ تتعرض سوق السندات لموجة بيع قاسية دفعت العوائد إلى مستويات تقترب من أعلى معدلاتها في نحو عقدين، بينما تواصل الأسهم أداءها الجيد. وكانت قدرة سوق الأسهم على الصمود مفاجأة إيجابية إلى حد كبير خلال الانتقال إلى بيئة أسعار فائدة أعلى، لكن السؤال الذي يشغل المستثمرين الآن هو: إلى متى يمكن أن يستمر هذا الصمود؟
ارتفاع عوائد السندات يمكن أن يضغط على الأسهم من أكثر من جانب. فهو يرفع تكاليف الاقتراض في مختلف أنحاء الاقتصاد، ما يؤدي إلى إبطاء النمو، وتتيح العوائد المرتفعة للمستثمرين تحقيق عائد أكبر من الاحتفاظ بالسندات الجديدة حتى استحقاقها، ما يجعلهم يعيدون التفكير في جدوى امتلاك الأسهم الأكثر مخاطرة.
وتصبح موجات بيع السندات أكثر خطورة في ظروف مشابهة للوضع الراهن، عندما ترتفع العوائد بسبب شروع مجلس الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة أو استعداده للقيام بذلك. ويختلف هذا السيناريو عن ارتفاع العوائد في ظل اقتصاد قوي، عندما تتحرك صعوداً فقط لأن المستثمرين يتوقعون زيادات في أسعار الفائدة في وقت لاحق.
ويقدم التاريخ صورة معقدة، إذ تمكنت الأسهم من الصمود أمام قفزات كبيرة في عوائد السندات سابقاً، إلا أن الأداء السيئ الذي سجلته قبل 4 أعوام لا يزال حاضراً في أذهان المستثمرين، بحسب تحليل لصحيفة "وول ستريت جورنال".
ارتفاع عوائد الخزانة الأمريكية يعيد المستثمرين لصناديق السندات النشطة - موقع 24تواجه صناديق السندات النشطة اهتماماً متزايداً من المستثمرين مع عودة العوائد المرتفعة إلى سوق السندات الأمريكية، لكن الأداء القوي مقارنة بالمؤشرات قد لا يعكس بالضرورة كفاءة مديري الصناديق، إذ يمكن أن يكون مدفوعاً بمخاطر إضافية داخل المحافظ الاستثمارية.
صدمة 1994
تعد موجة بيع السندات في 1994 واحدة من أشهر موجات البيع في التاريخ، وبدأت عندما رفع الاحتياطي الفيدرالي، بقيادة آلان غرينسبان آنذاك، أسعار الفائدة في فبراير (شباط). وفاجأت الخطوة المستثمرين، إذ كان التضخم يُنظر إليه باعتباره تحت السيطرة، ولم يتحرك "الفيدرالي" إلا لأنه رأى أن قوة الاقتصاد المتزايدة ستؤدي إلى ارتفاع التضخم مستقبلاً.
ولم ينتظر المستثمرون لمعرفة النتائج، بل سارعوا إلى المراهنة على سلسلة من زيادات الفائدة، ما دفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى الارتفاع بأكثر من نقطة مئوية واحدة خلال 40 جلسة تداول فقط.
وأدى هذا التحول السريع أيضاً إلى تراجع الأسهم، إذ هبط مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" إلى 8% منذ بداية موجة بيع السندات. لكن الأسهم استعادت عافيتها تدريجياً رغم استمرار ارتفاع العوائد، في انعكاس لثقة المستثمرين بأن زيادات الفائدة لن تدفع الاقتصاد إلى الركود، وأن قوة النشاط الاقتصادي ستواصل دعم أرباح الشركات.

1999.. السندات تسبق غرينسبان
قفزت العوائد مجدداً في 1999، لكن سوق السندات سبقت هذه المرة تحركات "غرينسبان"، وارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات (نحو نقطة مئوية) خلال الأشهر التي سبقت بدء سلسلة جديدة من الزيادات الاستباقية لأسعار الفائدة. وشهدت الأسهم تقلبات على مدى أشهر، قبل أن تستعيد مكاسبها مع اجتياح حمى شركات الإنترنت "دوت كوم" وول ستريت، لتطغى على المخاوف المتعلقة بارتفاع تكاليف الاقتراض.
ووصل مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" إلى ذروة فقاعة الإنترنت في 24 مارس (آذار) 2000، قبل أن ينهار 49% حتى بلوغه قاع السوق الهابطة في أواخر 2002.

النفط يضغط في 2006
مطلع 2006، أدى الارتفاع الحاد في أسعار النفط إلى زيادة الضغوط التضخمية. وقفزت عوائد السندات ورفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، إلا أن الأسهم حافظت بصورة عامة على تماسكها حتى مايو (أيار)، عندما بدأ المستثمرون يشعرون بقلق أكبر حيال آفاق الاقتصاد. ودفعت هذه المخاوف الأسهم وعوائد السندات إلى الانخفاض معاً في البداية، قبل أن تعاود العوائد الارتفاع في يونيو (حزيران).

2016.. الأسهم والعوائد ترتفعان معاً
كانت موجة بيع السندات في 2016 مثالاً نموذجياً على إمكانية ارتفاع عوائد السندات والأسهم في الوقت نفسه. فبدلاً من اعتبار ارتفاع أسعار الفائدة تهديداً للنمو، رحب المستثمرون به بوصفه إشارة إلى أن الاقتصاد في طريقه أخيراً إلى العودة إلى أوضاع طبيعية، بعد سنوات من النمو الضعيف الذي أعقب الأزمة المالية العالمية بين 2008 و2009.
وحصلت عوائد السندات والأسهم على دفعة إضافية بعد الفوز المفاجئ للجمهوريين في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، والراهن على أن ترامب والكونغرس الجديد سيدفعان النمو والتضخم إلى الارتفاع عبر خفض الضرائب.

2022.. عام مؤلم للسندات والأسهم
كانت موجة بيع السندات في 2022، الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة، وكان العام نفسه سيئاً بالنسبة للأسهم. ورغم ظهور موجة التضخم المرتبطة بجائحة "كوفيد-19" في 2021، اتفق كثير من المستثمرين آنذاك مع تقييم الاحتياطي الفيدرالي بأن ارتفاع الأسعار سيكون مؤقتاً لكن "الفيدرالي" غيّر موقفه وبدأ رفع أسعار الفائدة بقوة.
الذكاء الاصطناعي يقود الأسهم الأمريكية إلى الارتفاع - موقع 24أغلقت مؤشرات الأسهم الأمريكية على ارتفاع، الجمعة، بدعم من أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، رغم مخاوف بشأن ارتفاع أسعار النفط، وعوائد سندات الخزانة من مكاسب الأسواق.
2026.. مفترق طرق جديد
يجد المستثمرون أنفسهم اليوم أمام مفترق طرق جديد. فرغم ارتفاع عوائد السندات ورفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرة واحدة بالفعل، ظل النمو الاقتصادي متماسكاً. وتلقى الاقتصاد دعماً من الإنفاق التاريخي لشركات التكنولوجيا على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، كونها شركات أقل تأثراً بارتفاع تكاليف الاقتراض.
ودعمت هذه القوة سوق الأسهم، ولا سيما التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران الذي سيؤدي حتماً إلى خفض أسعار النفط وتخفيف الضغوط التضخمية.
في المقابل، يتبنى آخرون رؤية أكثر تشاؤماً، ويرون أن "الاحتياطي الفيدرالي" ربما يضطر إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة إلى أن تبدأ الأسهم نفسها في الشعور بالألم، لأن المستويات المرتفعة للسوق تشكل عقبة أمام جهود السيطرة على التضخم.