قوارب قطر توجه ناقلة النفط أوديسا عبر مضيق هرمز (التايمز)
الأحد 27 سبتمبر 2026 / 16:26
خلف طفرة الذكاء الاصطناعي حقيقة يصعب تجاوزها: العالم الرقمي لا يزال يحتاج إلى النفط والغاز، والاقتصاد لا يزال رهينة السفن والمضائق. هذه المفارقة يناقشها "إد كونواي" في مقال بصحيفة "ذا تايمز" البريطانية، مؤكداً أن التكنولوجيا لم تُنهِ عصر "الوقود الأحفوري"، و"العولمة" لم تهزم الجغرافيا؛ فمراكز البيانات تحتاج إلى الطاقة، والتجارة تحتاج إلى ممرات آمنة وشحن رخيص.
لكن التقدم التكنولوجي، وفق كونواي، لم يفك ارتباط الاقتصاد بمصادر الطاقة التقليدية؛ فحتى أكثر التقنيات تطوراً لا تزال تحتاج إلى النفط والغاز. ورغم التحول المتسارع نحو مصادر بديلة، يبقى "الوقود الأحفوري" جزءاً أساسياً من البنية التي تشغّل اقتصاد اليوم، بما في ذلك طفرة الذكاء الاصطناعي.
التكنولوجيا لم تُلغِ الجغرافيا
ويبني الكاتب مقاله على أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أكثر مظاهر التقدم التكنولوجي تطوراً، لكنه يحتاج إلى مراكز بيانات، تمثل قلب هذه الصناعة، وتستهلك الطاقة اعتماداً على الغاز الطبيعي مع استخدام مولدات الديزل كخيار احتياطي.
كما يستطيع العالم بناء سلاسل توريد بالغة التعقيد تمتد بين عشرات الدول، لكنه يظل معرضاً لتداعيات اضطراب ممر بحري واحد تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة أو التجارة.
ومن هنا، فإن القضية التي يطرحها "كونواي" ليست أن العولمة أو التكنولوجيا ستتوقفان، وإنما أن الأسس المادية التي تقومان عليهما أصبحت أكثر وضوحاً من جديد. فالعالم لم يتجاوز الوقود الأحفوري بالسرعة التي يظهرها التقدم التكنولوجي، كما أن انخفاض تكلفة الشحن لم يلغِ المسافات والممرات والمواقع الجغرافية.
وهنا تستعيد منطقة الخليج ثقلها في المعادلة؛ احتياطاتها من النفط والغاز تكشف مفارقة لافتة: أحدث تقنيات القرن الحادي والعشرين لا تزال تستند إلى مصادر الطاقة التي قامت عليها اقتصادات القرن الماضي. وعلاوة على ذلك، فالعولمة نفسها قامت على ركيزة أخرى: شحن رخيص وآمن، ينقل المواد والسلع بين القارات ويحافظ على تدفق التجارة دون انقطاع.

الشحن الرخيص غيّر خريطة الإنتاج
ويرى الكاتب، أن انخفاض تكاليف الشحن، على مدى العقود الماضية، أعاد رسم خريطة الاقتصاد العالمي؛ إذ بات نقل السلع بين آسيا وأوروبا لا يشكل سوى جزء ضئيل من سعرها النهائي، ما جعل المسافات أقل كلفة في معادلة الإنتاج والتجارة. وسمحت سفن الحاويات الأكبر والأكثر كفاءة، إلى جانب تطوير الموانئ والقنوات والممرات البحرية واستمرار حرية الملاحة، للشركات بإعادة توزيع عمليات الإنتاج على دول وقارات مختلفة بحثاً عن أقل تكلفة ممكنة.
ومع رخص الشحن، تغيّرت معادلة الإنتاج؛ فلم يعد السؤال أين يوجد المستهلك؟، بل أين يمكن تنفيذ كل مرحلة بأقل تكلفة؟، ويشير "كونواي" إلى حجم هذه الشبكة التجارية بالقول إن 500 مليار جنيه إسترليني (662.5 مليار دولار) من البضائع تمخر البحار كل لحظة؛ رقم يكشف، حجم اقتصاد عالمي وبضائع يجري نقلها بين مناطق الإنتاج والأسواق.
النفط جزء من الشبكة نفسها
ويذكر "كونواي" أن المنطق ذاته أعاد تشكيل صناعة النفط. فبدلاً من ضرورة تكرير الخام بالقرب من مكان استخراجه، أتاح الشحن الرخيص نقل النفط المنتج في الخليج أو خليج المكسيك أو بحر الشمال إلى مصافٍ على الجانب الآخر من العالم. ومع الوقت، أصبح من الممكن أن تتخصص مصافٍ في الديزل وأخرى في وقود الطائرات أو البنزين، دون أن يكون بعدها عن السوق النهائية عائقاً حاسماً، لأن ناقلات النفط والمنتجات المكررة تستطيع قطع هذه المسافات بتكلفة مقبولة.
لكن وراء هذا النظام افتراضاً أساسياً ربما لم يحظَ بالاهتمام الكافي طوال عقود: أن السفن ستظل قادرة على التحرك بين مناطق الإنتاج والأسواق عبر البحار والمضائق الرئيسية بحرية وأمان وبتكلفة يمكن توقعها.

لقاء الطاقة بالجغرافيا
يمثل مضيق هرمز نقطة واحدة تؤثر في العالم، ويقدم المضيق مثالاً أكثر وضوحاً في اعتماد الاقتصاد العالمي على عدد محدود من الممرات البحرية. فبحسب الأرقام التي يستند إليها "كونواي"، يمر عبر المضيق نحو برميل واحد من كل خمسة براميل نفط في العالم، ما يعني أن أي اضطراب طويل في حركة الملاحة عبر هذا الممر يمكن أن يتجاوز حدود الخليج سريعاً ليصل أثره إلى أسواق الطاقة والتضخم والنمو في أنحاء العالم. ورغم ذلك، أظهرت التطورات أيضاً مدى قدرة نظام التجارة والطاقة العالميين على التكيف.
الخطر الأكبر.. تغير قواعد التجارة
لكن الخطر، في نظر كاتب المقال، يتجاوز صدمة النفط أو كلفة الشحن؛ فالنموذج الاقتصادي العالمي بأكمله قام على: سفن تعبر الممرات البحرية بحرية وأمان وكلفة منخفضة. وأي اهتزاز في هذا المعادلة يهدد الأساس الذي قامت عليه التجارة العالمية.
وإذا تغير هذا الافتراض بصورة دائمة، سواء بسبب الهجمات أو القيود على الملاحة أو ارتفاع رسوم العبور والتأمين، فإن الشركات ستضطر إلى إعادة النظر في الطريقة التي بنت بها سلاسل التوريد العالمية.
من الناحية الاقتصادية، قد يكون تقصير سلاسل الإمداد وإعادة جزء من التصنيع إلى الداخل حلاً منطقياً في بعض القطاعات، لكن "كونواي" يشدد على عقبة أساسية: إعادة تشكيل بنية الاقتصاد العالمي تحتاج إلى عقود، وليس سنوات قليلة.