(رويترز)
(رويترز)
الجمعة 2 أكتوبر 2026 / 13:23

عبر حصار قطاعي الصناعة والشحن البري.. واشنطن تفكك الاقتصاد غير النفطي بإيران

دخلت المواجهة الاقتصادية بين واشنطن وطهران منعطفاً جديداً مع إعلان وزارة الخزانة الأمريكية عن حزمة عقوبات واسعة النطاق، تستهدف شل قطاعي السكك الحديدية وصناعة السيارات في إيران.

وجاء القرار الأمريكي، الصادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، كجزء من عملية أوسع أطلقت عليها إدارة ترامب اسم "عملية المنبوذ الاقتصادي. وتهدف حزمة العقوبات الجديدة إلى ضرب ما تبقى من البنية التحتية الصناعية واللوجستية لطهران، بعد أسابيع قليلة من فرض حظر شامل على قطاع الطيران المدني والعسكري الإيراني، مما يمثل تحولاً استراتيجياً من تطويق الأجواء إلى شل الحركة البرية وسلاسل التوريد.
ولم تقتصر العقوبات الأمريكية على الشركات الحكومية داخل إيران فحسب، بل امتدت لتشمل شبكة معقدة من الموردين والشركاء الدوليين في عواصم اقتصادية مختلفة. 

بعد نفاد النفط خارج الحصار.. ما بدائل إيران لتمويل وارداتها؟ - موقع 24تشير تقديرات حديثة نشرتها صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، إلى أن مخزون النفط الإيراني الموجود خارج نطاق الحصار الأمريكي إلى نحو 15 مليون برميل، مقابل 29 مليوناً مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، ما يهدد الإيرادات التي تواصل طهران تحصيلها من شحنات غادرت موانئها بالفعل.


شل المجمعات الصناعية 

واستهدفت العقوبات أكبر المجمعات الصناعية لإنتاج السيارات في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها شركة إيران خودرو وذراعها الثقيل "إيران خودرو ديزل" المنتج الأكبر للحافلات، ومجموعة سايبا وشركة بارس خودرو وزمياد، بالإضافة إلى شركة نيرو موتورالمتخصصة في صناعة الدراجات النارية بفرعيها في دماوند وشيراز .
 وعلى الجانب اللوجستي، شملت القائمة السوداء العصب البري للتجارة والركاب متمثلاً في شركة سكك حديد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وشركة رجا لقطارات الركاب، وشركات الشحن البري. 
كما طالت العقوبات شركة إنتاج المعدات الثقيلة ، وصاحب ذلك إدراج تابعتها التجارية في شنغهاي بالصين، وملاحقة شركات واجهة متواجدة في تركيا، وألمانيا، وهونغ كونغ، وإندونيسيا متهمة بتوريد قطع الغيار وتسهيل صادرات الصلب والنفط الإيراني .
وتُشير البيانات الاقتصادية الرسمية إلى أن قطاع السيارات يمثل ثاني أكبر القطاعات مساهمة في الناتج المحلي الإجمالي لإيران بعد قطاع الهيدروكربونات، حيث يسهم بنحو 3.5 إلى 4%  من  إجمالي الناتج المحلي، ويستوعب بشكل مباشر وغير مباشر أكثر من 700 ألف عامل وموظف، مما يجعله صمام أمان اجتماعي لمنع تفاقم البطالة.
أما قطاع السكك الحديدية، فيمتلك شبكة خطوط تمتد لأكثر من 14 ألف كيلومتر، تُنقل عبرها قرابة 40 مليون طن من البضائع سنوياً، تشمل المعادن والصلب والمواد البتروكيماوية التي تمثل المصادر البديلة الأساسية للعملة الصعبة. 
وجاء في البيان الرسمي لوزارة الخزانة الأمريكية تعقيباً على هذه الخطوة أن قطاعي السكك الحديدية والسيارات يمثلان أكبر المصادر المتبقية لإيرادات النظام الإيراني وقدراته اللوجستية، ولذلك فإن هذا الإجراء يضرب مباشرة الشرايين الحيوية التي تعتمد عليها طهران للاستمرار الاقتصادي والتملص من العقوبات الدولية.


خطة امريكية منسقة 

ويظهر التطور المنهجي في استراتيجية العقوبات الأمريكية الأخيرة ملامح خطة منسقة لإغلاق منافذ الاقتصاد الإيراني بالتتابع. فقد ركزت حزمة العقوبات الصادرة في سبتمبر الماضي على قطاع الطيران بشكل كامل، مستهدفة الخطوط الجوية الإيرانية، لشل قدرتها على نقل الأفراد والشحنات الخفيفة عبر الأجواء والمطارات الدولية والإقليمية.
وفي المقابل، جاءت حزمة أكتوبر الحالية لتنقل المعركة بالكامل نحو البر والصناعة عبر استهداف الممرات البرية والمصانع وسلاسل التوريد الداخلية، حيث تركز واشنطن في هذه المرحلة على كيانات حيوية مثل شركات إيران خودرو وسايبا ومؤسسة السكك الحديدية الوطنية، بهدف قطع إمدادات السلع الثقيلة وتشغيل المصانع. وتسعى الخطوة المزدوجة إلى شل حركة الشحن التجاري البري وضرب التوظيف الداخلي في آن واحد. 
ولم يقتصر التحرك على الداخل الإيراني، بل امتدت الملاحقة الأمريكية لتفكيك شبكات الاستيراد والتهريب البري العابرة للحدود، والتي تنشط عبر تركيا وجنوب شرق آسيا لتأمين الاحتياجات الصناعية لطهران.

الآثار المترتبة على العقوبات 

وتتطابق الرؤى التحليلية الصادرة عن صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي حول الآثار الهيكلية المترتبة على تشديد العقوبات القطاعية في إيران. ووفقاً لتقديرات الصندوق السابقة، فإن إغلاق منافذ التجارة اللوجستية، وضرب القطاع التصنيعي يسرّعان من التدهور المالي عبر ثلاثة محاور رئيسية، أولها انكماش النمو وتفاقم العجز، حيث سيتسبب شل قطاع تصنيع السيارات والمعدات الثقيلة في انكماش إضافي للنمو الاقتصادي غير النفطي الإيراني بنسبة تتراوح بين 1.5 إلى 2% ، مما يرفع من عجز الموازنة العامة للدولة التي تعاني أساساً من انخفاض العوائد التقليدية.
ويتمثل المحور الثاني في دوامة التضخم والعملة، إذ من المتوقع أن تؤدي العقوبات الحالية إلى زيادة تكاليف النقل الداخلي للبضائع، نتيجة شل حركة قطارات الشحن، الأمر الذي سيؤدي إلى قفزة جديدة لمعدلات التضخم التي تتأرجح بالأساس حول 40%  لتدفع أسعار السلع الاستهلاكية إلى مستويات غير مسبوقة مع زيادة الضغط على الريال الإيراني في السوق الموازية.
أما المحور الثالث فيرتبط بتعطيل ممر "شمال-جنوب"، حيث يرى خبراء المؤسسات الدولية أن استهداف السكك الحديدية الإيرانية يعوق بشكل مباشر المساعي المشتركة بين طهران وموسكو، لتطوير هذا الممر كبديل تجاري آمن بعيداً عن الرقابة الغربية، مما يجهض طموحات طهران في التحول إلى مركز ترانزيت إقليمي يربط روسيا بالمحيط الهندي.

وتثبت المعطيات الواردة في حزمة العقوبات البرية أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تسعى لمجرد تسجيل موقف سياسي، بل تتحرك وفق هندسة اقتصادية دقيقة تهدف إلى تفريغ الاقتصاد الإيراني من أصوله الإنتاجية والتشغيلية.

خاص24| 2000 نوع ارتفعت أسعارها.. أزمة الدواء "تضرب" إيران - موقع 24تتفاقم أزمة الدواء في إيران مع تسجيل قفزات "حادة" في الأسعار ونقص مُستمر في مئات الأصناف داخل الصيدليات، رغم إنتاج البلاد لأكثر من 80% من احتياجاتها محلياً، وذلك في ظل ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل وتراجع قيمة العُملة، وتشديد القيود على حركة التجارة.

خيارات صعبة 

وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن الانتقال من عزل الأجواء في سبتمبر إلى شل القطاعات الصناعية واللوجستية البرية في أكتوبر، يضع  إيران أمام خيارين أحلاهما مر، إما تحمّل ضغوط اجتماعية واقتصادية داخلية ناتجة عن تسريح العمالة وتصاعد التضخم، أو الرضوخ للشروط الأمريكية والعودة إلى طاولة المفاوضات تحت سقف اتفاق جديد تملي واشنطن شروطه الأساسية.