أمريكيون في مظاهرات احتجاجاً على غلاء الديزل (أ ف ب)
أمريكيون في مظاهرات احتجاجاً على غلاء الديزل (أ ف ب)
الإثنين 5 أكتوبر 2026 / 19:08

كيف تحول الديزل من وقود للمصانع إلى سلاح لانتخابات أمريكا؟

شهدت أزمة الطاقة العالمية في الآونة الأخيرة وتحديداً مع مطلع الربع الأخير من العام الحالي تحولاً دراماتيكياً، حيث انتقل مركز الثقل في المخاوف الجيوسياسية والاقتصادية من مجرد الجدل الفني حول أرقام عبور النفط الخام عبر مضيق هرمز، إلى تبني إجراءات طارئة وفورية تستهدف تأمين وقود الديزل الذي يُعد العمود الفقري الذي تعتمد عليه شبكات النقل البري والبحري وتتحرك بموجبه عجلة الإنتاج الزراعي والصناعي حول العالم. 

في خطوة استثنائية تعكس عمق القلق الدولي، وافقت دول مجموعة السبع، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، على خطة مشتركة لضخ 100 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات النفطية المكررة من احتياطياتها الاستراتيجية على مدار الأشهر الأربعة المقبلة، مع منح أولوية قصوى لضخ كميات ضخمة من الديزل بشكلٍ عاجلٍ خلال الأيام العشرين الأولى.

ضغوط أمريكية 

جاء التحرك الجماعي بعد جولات مكثفة من الضغوط التي مارستها الإدارة الأمريكية على العواصم الأوروبية لدفعها نحو فتح مخزوناتها الاستراتيجية من الوقود المكرر.

واقترنت الضغوط بتلويح واشنطن الصريح بفرض حظر شامل على صادرات الديزل الأمريكية لحماية الأسواق الاستهلاكية في الولايات المتحدة من قفزات تضخمية غير مسبوقة. 

انحسار مخاوف التضخم الأمريكي يدفع الأسهم الآسيوية للصعود - موقع 24ارتفعت أسواق الأسهم الآسيوية في باكورة تعاملات اليوم الإثنين، بدعم من تراجع المخاوف بشأن التضخم في الولايات المتحدة، ما قلل احتمالات زيادة أسعار الفائدة الأمريكية مجدداً، بالتزامن مع أسبوع يشهد صدور عدد من البيانات الاقتصادية الأمريكية.

ونتيجة لذلك، تحولت الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، التي تأسست تاريخياً لتعويض انقطاع الإمدادات الفعلي الناتج عن الكوارث أو الحروب، إلى أداة اقتصادية وسياسية مباشرة تُسخرها القوى الكبرى في محاولة لامتصاص الصدمات السعرية واحتواء التداعيات اللوجستية للحرب الأمريكية الإيرانية قبل أسابيع قليلة من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.

خطة الإنقاذ 

ووفقاً للبيان الصادر عن قادة مجموعة السبع، فإن الخطة المقرة تتسم بطبيعة مكثفة في مرحلتها الأولى، حيث تركز خلال أول 20 يوماً على ضخ كميات ضخمة من وقود الديزل الجاهز للاستهلاك لتغطية العجز الفوري في الأسواق ومنع توقف سلاسل الإمداد الحيوية، تليها مرحلة استقرار تمتد على مدار 4 أشهر يتم خلالها استكمال ضخ الكميات المتبقية من الحصة الإجمالية البالغة 100 مليون برميل، مع مزجها بين النفط الخام والمشتقات الأخرى بناءً على التقييم المستمر الذي ستجريه الفرق الفنية التابعة لوكالة الطاقة الدولية. 

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن التفاهمات تضمنت التزام الدول الأوروبية بالإفراج عن 50 مليون برميل من الديزل من مخزوناتها الخاصة، في حين تتولى بقية الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية تسييل 50 مليون برميل من النفط الخام. 

وبحسب المفوضية الأوروبية، فإن سحب هذه الكمية من الديزل يعادل نحو 17% من إجمالي احتياطيات الطوارئ الأوروبية من نواتج التقطير المتوسطة، وما يقارب 3% من حجم الاستهلاك السنوي للقارة.

ويكتسب هذا التحرك أهمية بالغة لكونه يثبت أن أزمة الطاقة الراهنة لم تعد أزمة وفرة في براميل النفط الخام بقدر ما هي أزمة تكرير ولوجستيات.

الخطوط البديلة 

بالرغم من الاضطرابات الناتجة عن الصراع العسكري والقيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز، أظهرت بيانات تتبع الناقلات الصادرة عن مؤسسات رصد حركة الشحن العالمية مرونة غير متوقعة في إمدادات النفط الخام، إذ تعافت صادرات الخام القادمة من منطقة الخليج العربي عبر استخدام خطوط الأنابيب البديلة والمسارات الالتفافية لتصل إلى 14.2 مليون برميل يومياً، ما يمثل نحو 80% من مستويات ما قبل الحرب البالغة 17 مليون برميل يومياً. 

في المقابل، أصيبت تدفقات المنتجات النفطية المكررة، وفي مقدمتها الديزل، بشلل شبه كامل عبر المضيق، حيث هوت شحنات الوقود المكرر عبر الممر المائي إلى متوسط 677 ألف برميل يومياً فقط، مقارنة بـ3.6 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الأعمال العدائية، وهو الفارق الشاسع الذي يفسر سبب الاختناق الحاد في الأسواق كون النفط الخام متوفراً في الخزانات بينما تعاني قدرات التكرير العالمية من فجوة هيكلية عميقة جراء تعطل المصافي الإقليمية وتمديد بعض القوى الكبرى للقيود على صادراتها من الديزل.

ووضعت هذه الاختناقات الهيكلية الإدارة الأمريكية في موقف حرج مع قفز أسعار الجملة للديزل في مرفأ نيويورك وأسواق العقود الآجلة إلى مستويات قياسية، وسعياً من البيت الأبيض لنقل العبء التخزيني إلى الحلفاء الأوروبيين لوح بقطع الصادرات البحرية من الديزل الأمريكي المتجهة صوب القارة العجوز.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن أوروبا تعتمد بصورة غير مسبوقة على الديزل الأمريكي الذي بات يغطي نصف وارداتها البحرية مقارنة بالربع فقط قبل عام واحد. 

ولتفادي هذا السيناريو الكارثي، قبلت الدول الأوروبية بالصيغة الأمريكية، وفي المقابل تراجعت واشنطن عن تهديدها بحظر التصدير، حيث تضمن بيان مجموعة السبع نصاً صريحاً يلتزم فيه الأعضاء بعدم فرض أي قيود أو حظر على صادرات الطاقة والمنتجات المكررة فيما بينهم، ما وصفه محللون اقتصاديون بأنه بيان ذو طبيعة سياسية في مقامه الأول صيغ برقم عنواني ضخم بلغ 100 مليون برميل لطمأنة الأسواق وثني الإدارة الأميركية عن تنفيذ تهديداتها الحمائية.

قلق دولي بشان الإجراءات 

أبدت المؤسسات الدولية المعنية بملف الطاقة والاقتصاد قلقاً حيال فاعلية هذه الإجراءات المؤقتة، حيث أكدت وكالة الطاقة الدولية أن تداعيات أزمة مضيق هرمز لا تزال حادة للغاية وملموسة بشكل مباشر في أسواق نواتج التقطير.

وأشارت بيانات الوكالة إلى أن هذا السحب الطارئ يمثل امتداداً لأكبر عملية تحرك جماعي في تاريخها والتي استهدفت ضخ 400 مليون برميل، تم صرف 325 مليون برميل منها حتى الآن، ما يعادل 81% من إجمالي التعهدات، محذرة من أن السحب المستمر من مخزون الأمان الاستراتيجي يقلص الهوامش المتاحة لمواجهة أي صدمات مستقبلية غير متوقعة إذا ما طال أمد الحرب. 

من جانبهم، يرى خبراء ومحللو أسواق النفط أن الإفراج عن المخزونات نجح في تحقيق تهدئة تكتيكية فورية، إذ تراجعت أسعار العقود الآجلة للديزل في أوروبا  بين 5.75 إلى 8%  لتصل إلى أدنى مستوياتها. كما انخفضت أسعار الديزل الأمريكي 3.25%  ليقترب من 4.49 دولار للغالون.