احتجاجات على أزمة السكن في مدريد (أ ف ب)
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 / 13:37
تتجه إسبانيا إلى انتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، قبل نحو 8 أشهر من موعدها المقرر، وسط تصاعد أزمة السكن وضغوط كلفة المعيشة، رغم تسجيل الاقتصاد الإسباني معدلات نمو تتفوق على معظم الاقتصادات الأوروبية.
وبعد أيام من رفض البرلمان مرسومين تقدمت بهما الحكومة لمعالجة أزمة السكن، أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، الإثنين، الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة، وسط احتجاجات واسعة تطالب بخفض كلفة الإيجارات وتوفير مساكن بأسعار ميسرة، وفق "رويترز".
ولا تقتصر أسباب تقديم الانتخابات على ملف السكن، إذ تواجه حكومة سانشيز صعوبة متزايدة في تمرير التشريعات بسبب اعتمادها على تحالف برلماني هش، كما لم تتمكن من تمرير موازنة جديدة منذ 2023، في وقت تواجه فيه شخصيات مقربة من رئيس الوزراء والحزب الاشتراكي تحقيقات في قضايا فساد، بينما ينفي سانشيز ارتكاب أي مخالفات.
سباق بين سانشيز وفيخو
يتصدر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز مرشحي الحزب الاشتراكي العمالي "PSOE"، سعياً للاستمرار في الحكم بعد 8 سنوات في رئاسة الحكومة، بينما يخوض ألبرتو نونييث فيخو الانتخابات مرشحاً عن الحزب الشعبي المحافظ "PP"، بعدما تصدر حزبه انتخابات 2023 لكنه لم يحصل على الدعم البرلماني الكافي لتشكيل الحكومة، بحسب "رويترز".
وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم معسكر اليمين، مع بروز حزب "فوكس" بقيادة سانتياغو أباسكال، الذي يحظى بتأييد يدور حول 18%، بوصفه قوة قد تكون حاسمة في تشكيل حكومة يقودها الحزب الشعبي. في المقابل، يراهن سانشيز على أن تسهم أزمة السكن في إعادة تعبئة ناخبي اليسار.

السكن في قلب البرامج
تضع الأحزاب أزمة السكن في مقدمة برامجها، لكن الحلول المطروحة تختلف. وأقرت حكومة بيدرو سانشيز، الثلاثاء، مرسومي السكن اللذين كان رفضهما في البرلمان من بين التطورات التي سبقت الدعوة إلى الانتخابات المبكرة، ما أعاد الملف إلى قلب المواجهة السياسية قبل اقتراع 29 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بحسب "رويترز".
وتشمل الإجراءات وضع سقوف للإيجارات، وحظراً مؤقتاً على بعض عمليات الإخلاء، وقيوداً على شراء الشركات للعقارات السكنية، فيما يركز الحزب الشعبي بقيادة فيخو على زيادة المعروض، متعهداً ببناء 250 ألف منزل جديد سنوياً وتسريع إجراءات التخطيط وإتاحة الأراضي للتطوير.
وتحظى بعض هذه الإجراءات بتأييد يتجاوز القاعدة الانتخابية للحكومة، إذ أظهر استطلاع أجرته "40dB" لصالح صحيفتي "إل باييس" و"كادينا سير" أن 68% من الإسبان يؤيدون وضع سقوف للإيجارات لتحسين القدرة على تحمل تكاليف السكن، بما في ذلك أغلبية من ناخبي الحزب الشعبي و"فوكس"، وفق "رويترز".

كيف انفجرت الأزمة؟
تحولت أزمة متراكمة منذ سنوات إلى قضية سياسية ملحة بعد محاولة إخلاء ماريكارمن أباسكال، البالغة 87 عاماً، من منزلها في وسط مدريد، عقب شراء شركة عقارية المبنى الذي تقيم فيه. وأشعلت القضية احتجاجات في أنحاء البلاد ودفعت السكن إلى صدارة الحملة الانتخابية.
وبحسب بنك إسبانيا، بلغ العجز التراكمي في المساكن نحو 750 ألف وحدة بين 2021 و2025، فيما قد تتسع الفجوة إلى نحو مليون وحدة بحلول 2028. وترتبط الأزمة بعدم مواكبة البناء للطلب المتزايد، إلى جانب البيروقراطية ونقص العمالة والأراضي المتاحة للتطوير وارتفاع الطلب في المدن وانتشار الإيجارات قصيرة الأجل.
وتظهر ضغوط الأزمة بصورة أكبر في سوق الإيجارات، إذ أنفقت 26.8% من الأسر التي تستأجر مساكن بأسعار السوق أكثر من 40% من دخلها على السكن في 2025، بحسب بيانات "يوروستات" التي أوردتها الحكومة الإسبانية، فيما ارتفعت الإيجارات بصورة حادة خلال العقد الماضي، ما زاد العبء على الأسر والشباب بصورة خاصة.

الإسكان يطغى على الهجرة
يأتي تصاعد أزمة السكن بعدما كانت الهجرة مرشحة لتكون إحدى أبرز قضايا الانتخابات، خاصة بعد عبور نحو 72 ألف مهاجر إلى سبتة في يوليو (تموز) الماضي. ما فرض ضغوطاً على السلطات المحلية وأثار مواجهة سياسية بشأن إدارة الحدود وسياسة الحكومة تجاه المهاجرين.
وبحسب "رويترز"، قد يمنح تحول النقاش نحو السكن سانشيز فرصة لإعادة توجيه الحملة بعيداً عن أزمة الهجرة والتحقيقات المرتبطة بحزبه ودائرته المقربة، فيما تصف "بلومبرغ" تقديم الانتخابات بأنه محاولة للاستفادة من الغضب الشعبي المتصاعد بشأن تكاليف السكن.
ويتقاطع الملفان اقتصادياً، إذ زاد عدد سكان إسبانيا بنحو مليوني شخص منذ 2020 وارتفع عدد الأسر بنحو مليون، مدفوعاً بدرجة كبيرة بالهجرة، مقابل بناء نحو نصف مليون مسكن فقط خلال الفترة نفسها، وفق تحليل لـ"رويترز بريكينغ فيوز".

نمو اقتصادي لا ينهي ضغوط المعيشة
تأتي الانتخابات رغم أداء اقتصادي قوي نسبياً. وتظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن الناتج المحلي الإجمالي نما 0.7% في الربع الثاني من 2026 مقارنة بالربع السابق، وبنسبة 2.6% على أساس سنوي، فيما ارتفع التوظيف المقاس بالوظائف المكافئة لدوام كامل 2.2%.
وتضع البيانات إسبانيا بين الاقتصادات الأفضل أداءً في أوروبا، مستفيدة من قوة الاستهلاك والسياحة والاستثمار وزيادة قوة العمل. ويشير تحليل "رويترز بريكينغ فيوز" إلى أن الناتج المحلي أصبح أعلى بنحو 15% مقارنة بمستواه في أواخر 2021، في وقت تعاني فيه اقتصادات أوروبية كبرى تباطؤ النمو.
وتتزامن قوة المؤشرات الاقتصادية مع ضغوط متزايدة على ميزانيات الأسر. وبحسب القراءة الأولية للمعهد الوطني للإحصاء، ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 4.9% في سبتمبر (أيلول) الماضي، مقابل 4.3% في أغسطس (آب)، فيما صعد التضخم الأساسي إلى 3.1%، وبلغ التضخم المنسق مع الاتحاد الأوروبي 5%، في مؤشر على استمرار ضغوط كلفة المعيشة رغم قوة النمو الاقتصادي.

ماذا يريد الشارع؟
تركز مطالب المحتجين على خفض كلفة السكن وزيادة حماية المستأجرين، وتوسيع المعروض من المساكن الميسرة والاجتماعية وتشديد الرقابة على المستثمرين العقاريين الكبار، فيما تطالب نقابات المستأجرين باتخاذ إجراءات ضد ما تصفه بـ"صناديق الجشع" التي تتهمها بالمساهمة في رفع الأسعار وعمليات الإخلاء.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، أصبحت أزمة السكن في صدارة المنافسة الانتخابية، وسط اختلاف بين توجه حكومة سانشيز لضبط الإيجارات وتعزيز حماية المستأجرين، وخطة الحزب الشعبي التي تركز على زيادة المعروض وتسريع بناء المساكن، وفق "رويترز".