خزانات نفط ومنشآت تابعة لشركة سينوبك في شنغهاي بالصين (رويترز)
السبت 10 أكتوبر 2026 / 09:28
تواجه الصين اختباراً اقتصادياً معقداً في إدارة مشترياتها النفطية، بعدما تحولت آليات تأمين الخام وتخزين الوقود إلى عامل ضغط على شركات التكرير وأسواق النفط العالمية. فالمسألة لم تعد مقتصرة على حجم ما تستورده بكين أو تصدّره، بل باتت مرتبطة بتوقيت شراء الشحنات، وشروط تراخيص التصدير، وقدرة الشركات على تأمين الإمدادات من دون استنزاف المخزونات أو تحمل أعباء مالية متزايدة.
الصين تواجه فاتورة نفطية متصاعدة مع تراجع المخزونات وارتفاع كلفة الشحن
ووفق تقرير نشرته مجلة "ذي إيكونوميست"، فإن منظومة شراء النفط الصينية تتسم بدرجة كبيرة من الغموض، إذ لا تكشف بكين بصورة واضحة عن حجم احتياطياتها النفطية أو استراتيجيتها في الشراء. ويشير التقرير إلى أن مركزية إدارة أمن الطاقة تتعارض أحياناً مع المصالح التجارية لشركات النفط الكبرى المملوكة للدولة، ما يجعل القرارات التنظيمية مؤثرة في حركة المشتريات والأسعار.
تراخيص التصدير تتحكم في قرارات الشركات
المخزونات أصبحت عنصراً أساسياً في تحديد قدرة شركات النفط الصينية على التصدير، بعدما سمحت الحكومة باستئناف صادرات الوقود في يوليو (تموز)، بشرط احتفاظ الشركات الكبرى بمخزونات من المنتجات المكررة عند مستويات مرتفعة مماثلة لما كانت عليه قبل اندلاع الحرب في فبراير (شباط).
وتراجع الجهات الاقتصادية المختصة مستويات المخزون شهرياً، قبل السماح للشركات بالتقدم بطلبات تراخيص التصدير إلى وزارة التجارة. ودفعت هذه الآلية الشركات الكبرى إلى شراء كميات كبيرة من البنزين والديزل ومنتجات أخرى من المصافي الصينية الصغيرة والمستقلة، بهدف استيفاء شروط التصدير، بدلاً من الاعتماد حصراً على إنتاجها الخاص- بحسب مجلة "ذي إيكونوميست".
وتكشف هذه السياسة عن تحول في وظيفة المخزون؛ فبدلاً من أن يكون أداة لتلبية الطلب المحلي وامتصاص اضطرابات الإمدادات، أصبح الاحتفاظ بمستويات محددة منه شرطاً للوصول إلى الأسواق الخارجية. وفي المقابل، يحد تجميد التراخيص من قدرة الشركات على تحويل مخزوناتها إلى إيرادات، ويضعها أمام مخاطر تجارية عندما تتغير القرارات الحكومية بصورة مفاجئة- وفق المصدر ذاته.
وقف صادرات الوقود المكرر.. بكين تربك الأسواق العالمية - موقع 24دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة جديدة من التفتت الجيوسياسي مع بدء التطبيق الفعلي لقرار بكين بوقف صادرات الوقود المكرر، ما دفع العواصم الكبرى إلى مراجعة خططها الطارئة بشكل متسارع.
الشراء العاجل يرفع كلفة تأمين الخام
أشارت المجلة إلى أن ارتفاع هوامش أرباح تصدير الديزل دفع الشركات الصينية إلى تسريع مشترياتها من الخام خلال سبتمبر (أيلول). فبدلاً من إبرام عقود الشراء قبل نحو أربعة أشهر من التسليم، اتجهت بعض المصافي إلى طلب شحنات تصل خلال أربعة أسابيع فقط، كما أعادت بيع شحنات كان مقرراً تسلمها في ديسمبر (كانون الأول) لتوفير الخام الذي تحتاج إليه فوراً.
أضافت: أدى هذا التغير في توقيت الشراء إلى زيادة المنافسة على الشحنات المتاحة في السوق العالمية. وبلغ سعر خام برنت للتسليم الفوري نحو 25 دولاراً للبرميل فوق سعر التسليم بعد أسابيع.
هذا يوضح أن تأمين النفط لم يعد يتوقف على سعر الخام وحده؛ إذ أصبحت مواعيد التسليم وأجور الناقلات وتوافر الشحنات عوامل تحدد الكلفة النهائية، وتضغط على هوامش التكرير حتى عندما تكون أسعار المنتجات المكررة مرتفعة.
الصين تعيد رسم موازين القوة في سوق النفط العالمية - موقع 24أظهرت تداعيات الحرب مع إيران أن الصين باتت تملك قدرة استثنائية على التأثير في سوق النفط العالمية، بعدما تمكنت خلال عدة أشهر من خفض وارداتها من الخام بمقدار كبير، بما ساعد على الحد من ارتفاع الأسعار رغم واحدة من أكبر صدمات الإمدادات في تاريخ سوق الطاقة.
احتياطيات أقل وبدائل أكثر كلفة
بحسب "ذي إيكونوميست"، تراجعت مخزونات الوقود الصينية بنحو 65 مليون برميل منذ بداية الحرب في إيران، لتصل إلى قرابة 300 مليون برميل، وفق تقديرات التقرير. كما أن جزءاً من الكميات المتبقية مخصص لتلبية شروط تراخيص التصدير، ما يقلص المخزون المتاح فعلياً لمواجهة أي نقص محلي.
وتواجه الشركات صعوبة إضافية في تعويض الإمدادات التي كانت تحصل عليها من إيران وفنزويلا بأسعار مخفضة، بعدما أصبحت تلك الخيارات أقل توافراً أو أكثر كلفة. وتشير تقديرات نقلها التقرير إلى أن الصين قد تحتاج إلى استيراد ما بين 9.5 و10 ملايين برميل يومياً لتحقيق الاستقرار في إمدادات المنتجات المكررة من دون اللجوء إلى احتياطيات الخام- وفق المجلة.
وبذلك، تواجه بكين معادلة اقتصادية متشابكة بين رفع أسعار الوقود محلياً لتحفيز الإنتاج، أو دعم الشركات وتحمل أعباء مالية إضافية، أو السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية. وستحدد كيفية إدارة هذه الخيارات مدى قدرة الصين على حماية أمن الطاقة، كما ستؤثر في الطلب العالمي على الخام وكلفة الإمدادات خلال الأشهر المقبلة.