صورة تعبيرية (وام)
الأحد 18 أكتوبر 2026 / 13:56
أنهت أسواق الطاقة العالمية تعاملاتها للأسبوع المنصرم على قفزات سعرية حادة، عكست حجم القلق الجيوسياسي المتصاعد الذي يعصف بمنظومة الإمدادات الدولية، إذ اختتمت العقود الآجلة تداولاتها على ارتفاعات واضحة، ليغلق خام برنت المرجعي عند 109.86 دولارات للبرميل، في حين تماسك خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي فوق حاجز الـ101 دولار، ليصل إلى 101.84 دولار للبرميل.
جاء الصعود السعري المتسارع لينهي حقبة التباين التي شهدت سابقاً خاماً رخيصاً ومشتقات باهظة، معلناً بداية مرحلة "الالتحام السعري المتفجر" بين المنبع والمصب نتيجة انسداد خطوط الملاحة الدولية وتفاقم الصدمات العسكرية في الممرات البحرية الحيوية.
زيادة المخاوف
عززت التطورات السياسية والميدانية الأخيرة المخاوف من حدوث شلل تام في إمدادات النفط العالمية، إذ قفزت أسعار العقود الآجلة فور بروز مؤشرات على فشل المساعي الدبلوماسية لإعادة فتح مضيق هرمز.
10 دولارات لجالون البنزين.. تحذيرات من قفزة في كلفة المعيشة بأمريكا - موقع 24تضع تقديرات اقتصادية مرتبطة بالجدل الانتخابي في أمريكا سياسات الطاقة والرعاية الصحية والإنفاق الحكومي في قلب النقاش بشأن القدرة الشرائية، وسط تحذيرات من أن بعض المقترحات السياسية قد تزيد الأعباء المالية على الأسر والموازنة الفيدرالية، بدلاً من تخفيف الضغوط المعيشية. وتتصدر هذه المخاوف توقعات ...
وتشير البيانات التشغيلية الميدانية إلى تراجع للملاحة اليومية في المضيق، ما اضطر دولاً منتجة رئيسية كالعراق إلى اللجوء لخيارات لوجستية طارئة ومكلفة، من بينها التصدير براً عبر الصهاريج باتجاه الموانئ السورية.
ولم تعد الندرة محصورة في معالجة الخام وتحويله، بل انتقلت الأزمة إلى منبع الإمدادات وتأمين خطوط الشحن، ما تسبب في قفزات جنونية في أقساط التأمين البحري على الناقلات المارة عبر مضيق هرمز وباب المندب، وهي كلف إضافية باهظة تُمرر بالكامل وبشكل فوري إلى سعر الوقود النهائي المتداول في محطات التوزيع العالمية.
وتأتي قفزة أسعار الخام لتزيد الموقف تعقيداً في قطاع المصبّ والتوزيع، إذ تواجه البنية التحتية لتكرير النفط حول العالم عجزاً هيكلياً هائلاً في المشتقات.
طاقة التكرير تحت الضغط
طبقاً للتقارير الفنية الصادرة عن منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، فإن طاقة التكرير العالمية الفائضة تقع تحت ضغط حاد نتيجة عقود من ضعف الاستثمارات طويلة الأجل في بناء مصافٍ جديدة في الدول الغربية، بفعل سياسات التحول الأخضر المتسارعة، مما جعل المنظومة تعمل بطاقتها القصوى المتاحة دون أي مرونة تشغيلية.
وتتجسد أزمة التكرير في شلل وتعطيل نحو 30% من قدرات تكرير الديزل والبنزين في روسيا نتيجة الهجمات المكثفة بالطائرات المسيرة، لينخفض إنتاجها إلى 3.8 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى تسجله موسكو منذ أكثر من عشرين عاماً.
كما تسببت التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط في خفض إنتاج مصافي المنطقة 27%، ليستقر عند 6.5 ملايين برميل يومياً، ما يهدد مباشرة خُمس صادرات الديزل المحمولة بحراً عالمياً.
وفي سياق متصل، تشير بيانات معالجة التكرير العالمي إلى انكماش هيكلي بمتوسط تراجع يبلغ 2.3 مليون برميل يومياً لكامل العام الحالي، مسجلةً انخفاضات موسمية حادة، ما دفع هوامش التكرير في حوض الأطلسي إلى مستويات قياسية تاريخية.
النفط يلامس 110 دولارات مسجلاً أعلى مستوى منذ 5 أشهر - موقع 24ارتفعت أسعار النفط، اليوم الجمعة، متجهة نحو تحقيق مكاسب أسبوعية، في ظل ضبابية إمدادات الشرق الأوسط، والسحب الأكبر من المتوقع من مخزونات الخام في الولايات المتحدة، في المقابل انخفضت هوامش تكرير الديزل في أوروبا، بعد تحرك وكالة الطاقة الدولية لسحب كميات إضافية من مخزوناتها.
جفاف المخزون الأمريكي
امتدت التداعيات لتضرب المصدّات الحمائية الأخيرة لأسواق الطاقة، إذ تؤكد تقارير مؤسسة "وود ماكينزي للأبحاث والاستشارات" أن الاعتماد المفرط للأسواق على نظام الإمداد الفوري الجاهز جردها من المرونة اللازمة لمواجهة الطوارئ.
وتجلى ذلك بوضوح في جفاف المخزون الأمريكي، حيث تراجعت المخزونات الإجمالية للولايات المتحدة (التجارية والاحتياطي البترولي الاستراتيجي معاً) إلى أدنى مستوياتها المجتمعة منذ 1984، نتيجة اضطرار واشنطن للعب دور المورد الطارئ عبر زيادة صادرات الديزل والبنزين.
وعالمياً، سجلت المخزونات البترولية انخفاضاً حاداً بمقدار 69 مليون برميل في شهر يوليو (تموز) وحده، ليصل إجمالي التراجع التراكمي منذ تصاعد النزاعات الجيوسياسية إلى 410 ملايين برميل، وبمعدل سحب يومي مخيف يبلغ 2.7 مليون برميل يومياً، مما يضع الأسواق العالمية أمام شتاء قارس دون شبكة أمان حقيقية.
وبات الارتفاع القياسي في النفط الخام يتضاءل أمام الارتفاع الجنوني لأسعار المنتجات المكررة، إذ قفزت أسعار الديزل وزيت الغاز – اللذين يمثلان 30% من الطلب العالمي – لتتجاوز حاجز 200 دولار للبرميل (ما يعادل قرابة 6 دولارات للجالون تجارياً في الولايات المتحدة)، وهي مستويات تفوق بكثير كلفة برميل النفط الخام نفسه.
الفجوة التكريرية والسعرية
بناءً على هذه المعطيات، يتوقع محللو الاستثمار في مؤسسات مالية كبرى مثل "مورغان ستنالي" و"غينيس غلوبال إنفيستورز" أن تجبر هذه الفجوة التكريرية والسعرية الأسواق على الدخول قسراً في مرحلة "تدمير الطلب".
ومن المتوقع أن يتسبب نقص الوقود المكرر في انكماش قسري للطلب العالمي بواقع 1.6 إلى 2.5 مليون برميل يومياً خلال العام الحالي، نظراً لعدم قدرة قطاعات النقل البري، الشحن البحري، والصناعات الثقيلة على تحمل التكاليف التشغيلية الباهظة، ما يمهد الطريق لعودة شبح الركود التضخمي الذي يهدد نمو الاقتصاد العالمي ككل.
صدمة العرض
تثبت المعطيات الحالية أن أزمة الطاقة العالمية قد خرجت عن السيطرة التقليدية، فالأسواق لم تعد تواجه مجرد ضعف في الاقتصاد العالمي يؤثر على الطلب، بل تواجه صدمة عرض شاملة ومزدوجة تضرب منبع النفط الخام ومصب تكريره ومسالك نقله معاً.
ومع بقاء التوترات العسكرية دون حل، فإن الضغوط التضخمية ستظل ممتدة على المدى المتوسط، مهددة بدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي عميق، ما لم تشهد البنية التحتية وممرات الإمداد انفراجة سياسية وعسكرية شاملة تعيد بناء منظومة الأمان النفطي الدولي.